رئيس التحرير
أحمد رجب زكري

«محتاجين ثورة في الجهاز الإداري لمصر»..  روشتة  "بطرس غالي" لمواجهة التغيرات

الدكتور يوسف بطرس
الدكتور يوسف بطرس غالي

قدم الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، رؤية متكاملة للتعامل مع التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، مؤكدًا أن مصر والدول النامية مطالبة بإعادة صياغة سياساتها الاقتصادية بما يتناسب مع النظام العالمي الجديد، الذي بات تحكمه توازنات اقتصادية مختلفة عن السابق، وأن العالم أصبح يتحرك وفق ثلاثة محاور اقتصادية كبرى، وهو ما يفرض على الدول النامية إعادة ترتيب أولوياتها لحماية اقتصاداتها وتعزيز قدرتها على المنافسة في الأسواق الدولية.


ثلاثة أقطاب.. الاقتصاد العالمي


أكد يوسف بطرس غالي، خلال لقائه في بودكاست "موعد مع لميس" مع الإعلامية لميس الحديدي، أن الاقتصاد العالمي لم يعد قائمًا على قطب واحد، بل أصبح يعتمد على ثلاثة مراكز رئيسية تتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والصين، وأن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك الاقتصاد الأكبر عالميًا بإجمالي ناتج محلي يقترب من 30 تريليون دولار، مشيرًا إلى أنها تتخذ قراراتها الاقتصادية وفقًا لمصالحها الخاصة.


وأضاف وزير المالية الأسبق، أن الاتحاد الأوروبي، رغم امتلاكه سوقًا تضم نحو 500 مليون نسمة واقتصادًا يتجاوز حجمه 20 تريليون دولار، فإنه يواجه تحديات تحد من قدرته على المنافسة بنفس القوة التي تتمتع بها الولايات المتحدة أو الصين، وأنها أصبحت قوة اقتصادية عظمى تنافس الولايات المتحدة بقوة، متوقعًا أن تتمكن خلال سنوات قليلة من الاقتراب أكثر من الصدارة الاقتصادية العالمية.


الصين تواجه تحديات داخلية 


وأشار وزير المالية الأسبق، إلى أن بكين تواجه تحديات داخلية كبيرة، أبرزها اعتمادها على التصدير لتحقيق معدلات النمو المستهدفة، موضحًا أن الاقتصاد الصيني لا يستطيع تحقيق نمو يبلغ 5% دون الاعتماد على الأسواق الخارجية، وأن ارتفاع معدل الادخار لدى الأسر الصينية، والذي يصل إلى نحو 42% من دخولها، يقلل من معدلات الاستهلاك المحلي، وهو ما يجعل التصدير المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي، وأن ضعف منظومة الضمان الاجتماعي والمعاشات يدفع المواطنين إلى الاحتفاظ بجزء كبير من دخولهم تحسبًا للمستقبل، الأمر الذي يؤثر على الطلب المحلي.


وأوضح وزير المالية الأسبق، أن الصين تعاني أيضًا من تحديات ديموغرافية متزايدة نتيجة السياسات السكانية التي اتبعتها لعقود، وعلى رأسها سياسة الطفل الواحد، وأن هذه السياسات أدت إلى تراجع أعداد القوى العاملة مقابل زيادة أعداد كبار السن، وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على الاقتصاد الصيني خلال السنوات المقبلة، إذ أن ارتفاع متوسط أعمار السكان مع انخفاض أعداد العاملين يمثل تحديًا حقيقيًا لأي اقتصاد يعتمد على الإنتاج والتصنيع.


الاقتصاد المصري.. المنافسة العالمية


وشدد وزير المالية الأسبق،  على ضرورة حماية السوق المحلية من تداعيات المنافسة العالمية، خاصة مع اتجاه العديد من الدول إلى زيادة صادراتها لتعويض تباطؤ النمو الداخلي، وأن مصر مطالبة باتباع سياسات متوازنة تحافظ على انفتاحها التجاري، وفي الوقت نفسه توفر الحماية اللازمة للقطاعات المحلية التي قد تتأثر بالمنافسة الخارجية، وأن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين تشجيع التجارة الحرة وحماية الصناعات الوطنية.


وأشار وزير المالية الأسبق، إلى أهمية تبني سياسات جمركية أكثر مرونة، موضحًا أن دعم الصادرات يتطلب خفض الرسوم الجمركية على مستلزمات الإنتاج والمواد الخام المستخدمة في الصناعات التصديرية، داعياً إلى فرض إجراءات حماية على بعض القطاعات التي تواجه منافسة قوية من الواردات، بما يضمن استمرار نمو الصناعة المحلية دون الإضرار بقدرتها التنافسية، مشيداً بقدرات وزير التجارة الحالي، معتبرًا أنه يمتلك الخبرة التي تمكنه من التكيف مع المتغيرات الاقتصادية الدولية ووضع سياسات مناسبة لخدمة الاقتصاد المصري.


السلع المتبادلة..  النمو الحقيقي


وأكد وزير المالية الأسبق، أن قطاع السلع المتبادلة دوليًا، سواء الصادرات أو الواردات المرتبطة بالإنتاج، يمثل المحرك الرئيسي لأي اقتصاد يسعى لتحقيق معدلات نمو مرتفعة، وأن هذا القطاع هو القادر على خلق فرص عمل جديدة، وزيادة معدلات النمو الاقتصادي إلى مستويات تتراوح بين 5% و7%، مشددًا على ضرورة أن يصبح محورًا رئيسيًا في استراتيجية التنمية الاقتصادية المصرية، إذ أن الاهتمام بهذا القطاع سيساعد على تحسين القدرة التنافسية للمنتجات المصرية وزيادة حصتها في الأسواق الخارجية.


واختتم يوسف بطرس غالي، بالتأكيد على أن نجاح أي إصلاح اقتصادي يتطلب إزالة العقبات الإدارية التي تواجه القطاع الخاص، مشيرًا إلى أن تبسيط الإجراءات الحكومية سيكون أحد أهم عوامل جذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج، وأن الاقتصاد المصري بحاجة إلى تخفيف الأعباء الإدارية المتعلقة بالتراخيص والقوانين والإجراءات البيروقراطية، معتبرًا أن هذه الخطوة لا تقل أهمية عن الإصلاحات الاقتصادية الأخرى، إذ أن تجربة مصر خلال الفترة من عام 2000 حتى 2010 أثبتت أن دعم قطاع التصدير وتخفيف القيود الإدارية أسهما في جعل السلع المتداولة دوليًا محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب "ثورة إدارية" شاملة داخل الجهاز الإداري للدولة بما يعزز قدرة القطاع الخاص على قيادة التنمية وتحقيق معدلات نمو مستدامة.

تم نسخ الرابط