لماذا لايثق المواطن العادي في القطاع الخاص؟.. يوسف بطرس غالي يوضح
أكد الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، أن حالة عدم الثقة التي يبديها بعض المواطنين تجاه القطاع الخاص ليست وليدة الواقع الحالي، وإنما تعود إلى تراكمات فكرية وثقافية امتدت لعقود طويلة منذ ثورة يوليو 1952، مشيرًا إلى أن هذه النظرة ترسخت في الوعي العام رغم أن التجارب العملية والاقتصادية أثبتت عكس ذلك في كثير من الأحيان.
ثقافة اقتصادية منذ عقود
تناول وزير المالية الأسبق، خلال ظهوره في بودكاست "موعد مع لميس" الذي تقدمه الإعلامية لميس الحديدي، العلاقة بين المجتمع والقطاع الخاص، موضحًا أن الصورة الذهنية السائدة لدى شريحة من المواطنين تحتاج إلى إعادة تقييم في ضوء المتغيرات الاقتصادية الحديثة والدور المتزايد الذي يلعبه القطاع الخاص في دعم النمو وتوفير فرص العمل، وإن الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية التي تشكلت بعد ثورة يوليو أسهمت في تعزيز فكرة الاعتماد على الدولة والقطاع العام باعتبارهما الضامن الأساسي للاستقرار الوظيفي والمعيشي، وهو ما انعكس على نظرة المواطنين تجاه المستثمرين ورجال الأعمال.
وأشار وزير المالية الأسبق، إلى أن المجتمع المصري نشأ لسنوات طويلة على أفكار تضع القطاع العام في موقع الأفضلية مقارنة بالقطاع الخاص، موضحًا أن هذه الثقافة انتقلت عبر الأجيال وأصبحت جزءًا من التصورات السائدة لدى البعض، و أن الواقع الاقتصادي الحديث يفرض مراجعة هذه المفاهيم، خاصة مع تنامي دور القطاع الخاص في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، ونجاح العديد من الشركات الوطنية في تحقيق معدلات نمو كبيرة والمساهمة في خلق فرص العمل وتحفيز الاستثمار، إذ أن الاقتصادات الناجحة حول العالم تعتمد بشكل أساسي على القطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي، بينما تقوم الدولة بدور المنظم والمحفز والمراقب لضمان تحقيق المنافسة العادلة وحماية حقوق المواطنين.
رجال الأعمال والنجاح القائم
وشدد وزير المالية الأسبق، على أن النجاح الذي يحققه عدد كبير من رجال الأعمال لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة سنوات طويلة من العمل المتواصل والجهد المستمر، وأن هناك حالات فردية قد تشهد فشلًا أو تجاوزات كما يحدث في أي قطاع اقتصادي أو مهني، إلا أن تعميم هذه الحالات على مجتمع الأعمال بأكمله يعد أمرًا غير منصف، لافتًا إلى أن غالبية النماذج الناجحة اعتمدت على الانضباط والالتزام والعمل لساعات طويلة من أجل بناء مشروعات قادرة على الاستمرار والتوسع، إذ أن العديد من رجال الأعمال الذين يعرفهم عن قرب، سواء خلال فترة توليه المسؤولية الحكومية أو بعدها، ما زالوا حتى اليوم يعملون لساعات طويلة يوميًا للحفاظ على نجاح مشروعاتهم وتطويرها، معتبرًا أن هذا الجهد يمثل أحد أهم أسباب نجاح القطاع الخاص وقدرته على المنافسة.
وتحدث وزير المالية الأسبق، عن الاختلافات الجوهرية بين طبيعة العمل في القطاع الخاص ونظيرتها في القطاع العام، موضحًا أن كل قطاع يعمل وفق آليات مختلفة تحكمها أهداف ومتطلبات خاصة، وأن القطاع الخاص يعتمد بصورة أساسية على الكفاءة والإنتاجية، حيث يمثل تحقيق الأرباح واستمرار النشاط الاقتصادي عنصرًا رئيسيًا في تقييم الأداء، وهو ما يدفع المؤسسات الخاصة إلى اتخاذ قرارات سريعة تجاه الموظفين غير القادرين على تحقيق المستوى المطلوب من الكفاءة، إذ أن القطاع العام يوفر قدرًا أكبر من الاستقرار الوظيفي، إذ تكون إجراءات التعامل مع الموظفين أقل حدة مقارنة بالقطاع الخاص، ما يجعل العمل الحكومي أقل مخاطرة بالنسبة للكثيرين.
الربح والكفاءة.. أساسيان للنمو
ولفت وزير المالية الأسبق إلى أن دافع الربح ليس أمرًا سلبيًا كما يعتقد البعض، بل يمثل أحد أهم المحركات الاقتصادية التي تدفع الشركات إلى التوسع والاستثمار وتطوير الخدمات والمنتجات، وأن السعي لتحقيق الأرباح يدفع المؤسسات الخاصة إلى البحث المستمر عن تحسين الأداء وزيادة الإنتاجية وتبني أحدث أساليب الإدارة والتكنولوجيا، وهو ما ينعكس في النهاية على الاقتصاد ككل من خلال زيادة فرص العمل ورفع معدلات النمو، وأن تحقيق التوازن بين دور الدولة ودور القطاع الخاص يعد من أهم عوامل نجاح أي اقتصاد، مشيرًا إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن الشراكة بين الجانبين قادرة على تحقيق نتائج إيجابية تدعم التنمية المستدامة وتحسن مستوى معيشة المواطنين.
واختتم الدكتور يوسف بطرس غالي، بالتأكيد على أهمية إعادة تقييم النظرة التقليدية تجاه القطاع الخاص، موضحًا أن الحكم على أي قطاع يجب أن يكون من خلال نتائجه ومساهمته الفعلية في الاقتصاد وليس عبر أفكار موروثة تشكلت في ظروف تاريخية مختلفة، وأن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز الثقة في بيئة الأعمال وتشجيع الاستثمار والإنتاج، بما يسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية وخلق المزيد من فرص العمل، مؤكدًا أن القطاع الخاص سيظل شريكًا رئيسيًا في مسيرة التنمية والنمو خلال السنوات المقبلة.


