رئيس التحرير
أحمد رجب زكري

خالد الجندي: قصة موسى والخضر عقد استثنائي لا يُقاس عليه

الشيخ خالد الجندي
الشيخ خالد الجندي

أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن مفهوم "التبعية" في الإسلام يرتبط بضوابط شرعية دقيقة، ولا يجوز فهمه على أنه انقياد مطلق لأي شخص، موضحًا أن الاتباع الكامل لا يكون إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه المبلغ عن الوحي الإلهي، بينما تقوم العلاقات بين البشر على الحوار، وإعمال العقل، والاقتناع، وليس على الطاعة العمياء.


موسى والخضر نموذج استثنائي


وأوضح خالد الجندي، خلال حلقة خاصة بعنوان "حوار الأجيال" في برنامج "لعلهم يفقهون" المذاع عبر قناة DMC، أن كثيرًا من المفاهيم الدينية يتم تفسيرها بصورة غير صحيحة، وهو ما يستدعي العودة إلى النصوص الشرعية لفهمها في سياقها الصحيح، بعيدًا عن التأويلات التي قد تؤدي إلى استغلال الدين أو توظيفه في غير مقاصده،  وأن القرآن الكريم يقدم نماذج متعددة للعلاقات الإنسانية، لكن لكل نموذج ظروفه الخاصة، ولا يجوز تعميمه على جميع الناس أو اعتباره قاعدة ثابتة في التعامل بين البشر.


واستشهد عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، بقصة نبي الله موسى عليه السلام مع العبد الصالح الخضر، وبقول الله تعالى: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾، موضحًا أن هذه العلاقة لم تكن علاقة عادية بين شخصين، وإنما جاءت بتكليف إلهي وظروف استثنائية لا يمكن القياس عليها، وأن سيدنا موسى عليه السلام وافق على شروط محددة قبل بدء الرحلة مع الخضر، كان من أبرزها عدم توجيه الأسئلة حتى يأذن له الخضر بذلك، وهو اتفاق خاص ارتبط بمهمة معينة، ولا يمثل قاعدة عامة لتنظيم العلاقات بين الناس، إذ أن هذه الواقعة القرآنية تحمل دلالات تربوية وإيمانية، لكنها لا تعني جواز مطالبة أي إنسان للآخرين بالخضوع الكامل أو تعطيل عقولهم بحجة الطاعة أو الاتباع.


الاتباع الكامل للنبي وحده


وأوضح خالد الجندي، أن الاتباع المطلق في الإسلام خُصَّ به النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾، مؤكدًا أن هذا الاتباع يستند إلى كونه رسولًا يوحى إليه، وأن القرآن الكريم حسم هذه القضية بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وهو ما يمنح السنة النبوية مرجعيتها في التشريع، بخلاف أي إنسان آخر قد يصيب أو يخطئ، إذ أن الإسلام لا يمنح أي شخص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حق المطالبة بالطاعة المطلقة أو العصمة من الخطأ.


وحذر عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، من محاولات بعض الأشخاص تقديم أنفسهم باعتبارهم أصحاب مكانة استثنائية تستوجب الاتباع دون مناقشة، مؤكدًا أن هذا الفهم يتعارض مع مبادئ الإسلام، إذ أنه لا يجوز لأحد أن يدّعي أنه "خضر العصر" أو يطالب الآخرين بالتسليم الكامل لأقواله وأفعاله دون دليل أو نقاش، لأن الإسلام جعل العقل أحد أهم وسائل فهم الدين، ورسخ مبدأ المسؤولية الفردية في الاختيار، وأن إلغاء دور العقل يفتح الباب أمام الانحراف الفكري، بينما يدعو الإسلام إلى التدبر والتفكر والتمييز بين الحق والباطل من خلال الدليل والحجة.


الحوار أساس العلاقات


وشدد الداعية الإسلامي، على أن الأصل في العلاقات الإنسانية هو الحوار، والتفاهم، واحترام الرأي الآخر، وتبادل المشورة، وليس فرض الآراء أو مصادرة حق الآخرين في التفكير والسؤال، إذ أن الدين الإسلامي جاء ليحرر الإنسان من التقليد الأعمى، ويغرس فيه قيم الوعي والإدراك وتحمل المسؤولية، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم امتلأ بالآيات التي تحث على التفكر والتدبر وإعمال العقل.


واختتم الشيخ خالد الجندي، بالتأكيد على أن الإسلام دين يقوم على الإقناع لا الإكراه، وعلى بناء الإنسان الواعي القادر على التمييز واتخاذ القرار، مشددًا على أن الاتباع المشروع يكون لله ورسوله، أما العلاقات بين البشر فأساسها الاحترام المتبادل، والحوار، والاجتهاد، والاحتكام إلى الدليل، بما يحقق مقاصد الشريعة ويحافظ على كرامة الإنسان وعقله.

تم نسخ الرابط