رئيس التحرير
أحمد رجب زكري

لصالح من تدار دار الأوبرا؟.. مهرجان القلعة يكشف أزمة مستحقات واعتذارات بالجملة

دار الأوبرا المصرية
دار الأوبرا المصرية

أيام قليلة تفصل الجمهور عن انطلاق الدورة الـ34 من مهرجان قلعة صلاح الدين الدولي للموسيقى والغناء، الذي تنظمه دار الأوبرا المصرية، والمقرر انطلاقه السبت المقبل، لكن خلف الأضواء تبدو الصورة مختلفة تمامًا، في ظل أزمات مالية وفنية ولوجستية تثير علامات استفهام حول طريقة إدارة واحد من أهم المهرجانات الجماهيرية في مصر.

وبحسب مصادر من داخل دار الأوبرا المصرية، فإن الاستعدادات اللوجستية للمهرجان لم تصل حتى الآن إلى المستوى المتوقع، بالتزامن مع أزمة مستحقات مالية متأخرة لعدد من الفرق والعاملين، يعود بعضها إلى مايو الماضي، وهو ما انعكس، وفق المصادر، على الاستعدادات للمهرجان.

الأزمة لم تتوقف عند تأخر المستحقات، إذ تحدثت مصادر عن اعتذار بعض فرق الأوبرا عن المشاركة، على خلفية عدم حصولها على مستحقاتها المالية المتأخرة، إلى جانب خلافات بشأن المقابل المالي للمشاركة في المهرجان، حيث رفضت بعض الفرق المشاركة دون مقابل.

وهنا يبرز السؤال الأول: كيف تستعد مؤسسة بحجم دار الأوبرا المصرية لإطلاق مهرجان جماهيري كبير، بينما تواجه فرقها وعناصرها الفنية أزمة في مستحقاتها قبل أيام من الافتتاح؟

نجوم يغيبون عن «القلعة»


الصورة لا تتوقف عند فرق الأوبرا، إذ تشير المصادر إلى اعتذار عدد من نجوم الغناء الذين اعتاد جمهور مهرجان القلعة على مشاركتهم سنويًا، في ظل عدم حسم الاتفاقات المالية الخاصة بحفلاتهم.

ومن أبرز الأسماء التي يغيب حضورها هذا العام، بحسب ما تردد، الموسيقار الكبير عمر خيرت، الذي ارتبط اسمه لسنوات بالمهرجان، وكان حفله من أبرز المحطات التي ينتظرها الجمهور، خاصة أن مهرجان القلعة ارتبط تاريخيًا بتقديم نجوم كبار بأسعار تذاكر في متناول قطاعات واسعة من الجمهور، هذه الميزة جعلت المهرجان مختلفًا عن غيره، ورسخت صورته لدى الجمهور باعتباره مهرجانًا جماهيريًا قريبًا من البسطاء، لا مجرد موسم للحفلات مرتفعة التكلفة.

كما تحدثت مصادر عن اعتذار فرق من مشهد الموسيقى المستقلة «الأندرجروند» عن المشاركة، بما يثير تساؤلات حول حجم التنوع الفني الذي سيقدمه المهرجان هذا العام.

الأزمة تصل إلى الصوت والإضاءة


الأكثر إثارة للقلق أن الأزمة، بحسب المصادر، امتدت إلى مهندسي الصوت والإضاءة في الأوبرا، الذين اعتذر بعضهم عن المشاركة بسبب عدم حصولهم على مستحقاتهم المالية، سواء القديمة أو المتعلقة بالمهرجان.

وهؤلاء ليسوا عناصر هامشية يمكن تعويض غيابها بسهولة؛ فالصوت والإضاءة يمثلان العمود الفقري لأي حفلة جماهيرية، ونجاح المهرجان فنيًا وتنظيميًا يتوقف إلى حد كبير على جاهزية هذه المنظومة، وبالتالي، فإن الحديث عن اعتذارات أو انسحابات في هذه القطاعات قبل أيام من انطلاق المهرجان يضع جاهزية الدورة الجديدة أمام اختبار حقيقي.

دار الأوبرا.. مؤسسة للفن أم ملف يحتاج إلى فتح؟


وفي خضم هذه الأجواء، أصدر عدد من فناني دار الأوبرا المصرية بيانًا تحت عنوان: «دار الأوبرا المصرية.. مؤسسة للفن أم ملف يحتاج إلى فتح؟»، وجهوا خلاله نداء استغاثة طالبوا فيه الجهات الرقابية المختصة بفحص عدد من الملفات داخل المؤسسة.
وطالب الفنانون بفحص آليات التعاقد وإسناد الحفلات والفعاليات والخدمات، وأوجه صرف الميزانيات والإيرادات والمصروفات، ومعايير اختيار الشركات والمتعاملين مع الأوبرا.
كما طالبوا بالتحقق من مدى وجود تعارض مصالح أو استفادة مباشرة أو غير مباشرة لأي مسؤول أو طرف ذي صلة، ومدى الالتزام بالقوانين واللوائح المنظمة للتعاقدات والمال العام، واللافت أن البيان لم يتضمن، وفق ما ورد فيه، اتهامًا مباشرًا لشخص بعينه، وإنما طرح مجموعة من التساؤلات وطالب بالرقابة والشفافية.

وأكد الفنانون أن «دار الأوبرا المصرية أكبر من أي مسؤول، وأهم من أي منصب، وأبقى من أي إدارة»، وأن حماية المؤسسة لا تكون بالصمت عن التساؤلات، وإنما بكشف الحقيقة.

مستحقات متأخرة.. والعاملون يدفعون الثمن


في المقابل، أعرب عدد من الموسيقيين عن استيائهم من تأخر صرف مستحقاتهم، مؤكدين أن استمرار الوضع دون حلول واضحة يضعهم أمام ضغوط مادية متزايدة، خصوصًا مع ارتباطهم بالتزامات أسرية ومعيشية.

وبحسب مصادر من داخل الأوبرا، دفعت حالة الغضب بعض الموسيقيين إلى التلويح بالانسحاب من المشاركة في فعاليات وحفلات مقبلة، حال عدم صرف مستحقاتهم في أقرب وقت.

وهنا لا تصبح القضية مجرد خلاف مالي بين إدارة وفنانين، وإنما أزمة تؤثر بصورة مباشرة على استقرار العمل داخل مؤسسة يفترض أن تكون نموذجًا في رعاية الفنانين والعاملين بها.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا أمام ما تشهده دار الأوبرا المصرية: لصالح من تتأخر مستحقات الفرق والعاملين؟ ولصالح من يعتذر فنانون وفرق عن المشاركة، وتصبح مشاركة فرق تابعة للأوبرا محل خلاف حول المقابل المالي، بينما يواجه مهندسو الصوت والإضاءة مستحقات متأخرة قبل انطلاق مهرجان القلعة؟ المؤكد أن المستفيد ليس الفنان أو العامل أو الجمهور، الذي يدفع ثمن أي ارتباك في التنظيم أو تراجع في مستوى الفعاليات، وإذا كانت هناك أطراف تستفيد من هذه الأوضاع.

الأمر لا يتعلق بمهرجان القلعة وحده، وإنما بملفات أوسع تتعلق بالتعاقدات والإنفاق وإسناد الحفلات والخدمات ومعايير اختيار الشركات وصرف مستحقات العاملين، وهي ملفات مشروعة للمساءلة في مؤسسة ثقافية عامة، كما أن ما يتردد عن مطالبة بعض فرق الأوبرا بالمشاركة في المهرجان دون مقابل يحتاج إلى توضيح رسمي: هل المشاركة تدخل ضمن الالتزامات الوظيفية المعتادة، أم أنها مهمة فنية إضافية لها ضوابط مالية؟ فالرد الطبيعي على هذه التساؤلات يجب أن يكون باللوائح والمستندات والشفافية، ومعالجة أي أخطاء أو محاسبة من تثبت مخالفته للقانون.

ومع اجتماع أزمة المستحقات، واعتذارات الفنانين، وخلافات مشاركة الفرق، ومشكلات الصوت والإضاءة، والمطالبات بفحص ملفات التعاقدات والإنفاق، يصبح السؤال أكبر من أزمة مهرجان: هل نحن أمام أزمة مؤقتة أم خلل إداري يحتاج إلى مراجعة شاملة؟ دار الأوبرا ليست ملكًا لمسؤول، ومهرجان القلعة ليس مناسبة خاصة، والجمهور والفنانون والعاملون لهم حق أصيل في معرفة كيف تدار المؤسسة وكيف تنفق أموالها.

تم نسخ الرابط