خالد الجندي: إدراك المقادير هو الفارق الحقيقي بين الإنسان العاقل وغيره
أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن إدراك المقادير وفهم الأولويات يمثلان المعيار الحقيقي الذي يميز الإنسان العاقل عن غيره، موضحًا أن العقل لا يقتصر على معرفة الصواب والخطأ، بل يمتد إلى القدرة على الموازنة بين الخيارات المختلفة واختيار الأنسب وفق ميزان الشرع والعقل، وأن الحياة مليئة بالمواقف التي تتطلب حسن التقدير، مؤكدًا أن الإنسان الواعي هو من يستطيع ضبط الأمور وفق مراتبها الصحيحة، فيقدم الأهم على المهم، ويتجنب الوقوع في أخطاء ناتجة عن سوء ترتيب الأولويات.
التربية السليمة.. حسن الاختيار
وأشار عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، خلال تقديمه برنامج "لعلهم يفقهون" المذاع على قناة dmc، إلى أن التربية الحقيقية لا تقتصر على غرس القيم والأخلاق، وإنما تمتد إلى تعليم الأبناء كيفية اتخاذ القرار الصحيح، من خلال فهم ما يُعرف بفقه الاختيار، الذي يساعد الإنسان على التعامل مع المواقف المعقدة بحكمة واتزان، مستشهداً بقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الخيرين وشر الشرين"، موضحًا أن التمييز بين الخير والشر أمر يدركه معظم الناس، بينما تكمن الحكمة الحقيقية في القدرة على المفاضلة عندما تتزاحم المصالح أو تتعارض المفاسد، إذ أن هذه القاعدة تمثل منهجًا متكاملًا في التفكير، وتساعد الإنسان على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا في مختلف جوانب حياته.
وأوضح الداعية الإسلامي، أن الشريعة الإسلامية وضعت قواعد أصولية عظيمة لتنظيم حياة الإنسان، ومن أبرزها قاعدة "إذا اجتمعت مضرّتان تعيّن أخذ أخفهما ضررًا"، وهي قاعدة تؤكد أن الإنسان قد يجد نفسه أمام خيارين كلاهما يحمل ضررًا، لكن الحكمة تقتضي اختيار الأقل ضررًا، إذ أن هذه القاعدة تعكس رحمة الشريعة الإسلامية وواقعيتها في التعامل مع ظروف الحياة المختلفة، حيث لا تكون جميع الخيارات مثالية، وإنما يكون المطلوب هو تحقيق أفضل الممكن وتقليل حجم الخسائر، وأن القدرة على تطبيق هذه القاعدة تحتاج إلى علم وبصيرة وفهم صحيح لمقاصد الشريعة، حتى لا يقع الإنسان في تقديرات خاطئة تؤدي إلى نتائج سلبية.
اختيار أسس فقه الأولويات
وأكد الداعية الإسلامي، أن الميزان الشرعي لا يقتصر على المفاضلة بين الأضرار فقط، وإنما يشمل أيضًا المفاضلة بين المصالح، بحيث يقدم المسلم المصلحة الأعظم إذا تعذر الجمع بين أكثر من عمل صالح، وأن من استطاع أداء الحج والعمرة، لكنه لم يتمكن إلا من أداء أحد النسكين، فإن الحج يكون أولى لأنه الفريضة والأعلى منزلة، كما أن المسلم إذا ضاق عليه الوقت بين أداء صلاة الفرض وصلاة السنة، فإن الواجب يقتضي تقديم الفرض باعتباره الركن الأساسي الذي لا يجوز التفريط فيه، إذ أن هذه الأمثلة توضح أن الإسلام يقوم على ترتيب الأعمال وفق درجاتها، وليس مجرد الإكثار من العبادات دون مراعاة أولوياتها.
وأشار عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إلى أن كثيرًا من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس ترجع إلى غياب فقه الأولويات، موضحًا أن الإنسان قد يجتهد في أعمال نافلة على حساب الواجبات، وهو ما يخالف المنهج الصحيح، ضارباً مثالًا بمن يرهق نفسه بصيام النوافل حتى يضعف عن أداء صيام الفريضة، مؤكدًا أن هذا السلوك يعكس خللًا في التقدير، لأن الفرائض مقدمة دائمًا على النوافل، إذ أن من يكثر من الصدقات التطوعية بينما يؤخر إخراج الزكاة الواجبة، يكون قد أخطأ في ترتيب الأعمال، لأن الزكاة فرض واجب لا يجوز تقديم التطوع عليه، وأن فهم هذه القواعد يساعد المسلم على تحقيق التوازن في عباداته وأعماله اليومية.
القرآن الكريم.. الحكمة والتوازن
وأكد الداعية الإسلامي، أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة رسخا مبدأ الموازنة بين المصالح والمفاسد، وجعلا الحكمة أساسًا في اتخاذ القرارات، بما يحقق مصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة، وأن الإسلام دين يقوم على الاعتدال، ويرفض الإفراط أو التفريط، ولذلك جاءت الأحكام الشرعية مرتبة وفق أولويات واضحة تحفظ الدين والنفس والمجتمع، وأن استيعاب هذه المفاهيم ينعكس إيجابًا على مختلف مجالات الحياة، سواء داخل الأسرة أو في العمل أو في العلاقات الاجتماعية، لأن حسن الاختيار يعد من أهم أسباب النجاح والاستقرار.
واختتم الشيخ خالد الجندي، بالتأكيد على أهمية غرس فقه الأولويات في نفوس الأبناء منذ الصغر، حتى ينشأوا على القدرة على اتخاذ القرارات السليمة، والتمييز بين ما هو أولى وما هو أقل أهمية، وأن بناء شخصية متزنة يبدأ بتعليم الإنسان كيفية الموازنة بين الخيارات، واختيار "خير الخيرين" و**"أقل الضررين"**، مؤكدًا أن هذا المنهج يمثل أحد أعمدة الوعي الحقيقي، ويمنح الإنسان القدرة على التعامل مع تحديات الحياة بعقل راجح وفهم صحيح لمقاصد الشريعة الإسلامية.


