ماكينة إلكترونية.. محمد كمال: أخبار وحوادث متداولة لصناعة حالة غضب مستمرة
قال الدكتور محمد كمال، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، إن هناك ما وصفه بـ«ماكينة» تعمل بصورة مستمرة على صناعة حالة من الغضب لدى المواطن المصري، من خلال نشر أخبار وحوادث يومية يتم اختيارها بعناية لمخاطبة الوجدان والمشاعر، بما يسهم في تكوين انطباعات سلبية تجاه الدولة وسياساتها، مؤكدًا أن هذه الآلية ما تزال حاضرة بقوة في المشهد الإعلامي والرقمي، وأن الهدف من هذا النوع من المحتوى لا يقتصر على نقل الأحداث أو مناقشة المشكلات، وإنما يمتد إلى التأثير في مشاعر الجمهور ودفعه نحو تبني حالة من الغضب المستمر، خاصة مع التوسع الكبير في استخدام منصات التواصل الاجتماعي وسرعة انتشار الأخبار والمقاطع.
حملات التأثير على الجمهور
وأشار رئيس لجنة الخارجية، خلال حواره في برنامج «بالورقة والقلم» المذاع عبر فضائية «Ten»، إلى أن الفترة الأخيرة شهدت ظهور نمط جديد من التأثير، يختلف في أدواته عن الأساليب السابقة، موضحًا أن «الماكينة» الجديدة لم تعد تعتمد فقط على مخاطبة الوجدان والمشاعر، وإنما بدأت تتجه بصورة أكبر إلى مخاطبة العقل، من خلال تقديم معلومات وأرقام ووقائع تبدو في ظاهرها موضوعية أو علمية، وأن هذه الطريقة تستهدف بصورة خاصة التاريخ المصري الحديث والرموز السياسية، عبر إعادة تقديم بعض الأحداث والوقائع من زوايا محددة، مع التركيز على نقاط بعينها وإغفال السياق الكامل الذي وقعت فيه، وهو ما قد يؤدي إلى تكوين صورة مشوهة لدى الأجيال الجديدة عن مراحل مهمة من تاريخ الدولة المصرية.
وأوضح رئيس لجنة الخارجية، أن الأسلوب الجديد يعتمد بصورة كبيرة على استخدام المعلومات والأرقام ووضعها خارج سياقها، إلى جانب توظيف ما وصفه بـ«لغة العلم» لإضفاء قدر من المصداقية على محتوى قد يحمل أهدافًا سياسية أو أيديولوجية، مؤكدًا أن هذه الطريقة أصبحت أكثر انتشارًا خلال الفترة الأخيرة، وأن تقديم رقم صحيح في غير سياقه أو الاستناد إلى معلومة حقيقية دون توضيح ظروفها وتوقيتها يمكن أن يؤدي إلى نتيجة مضللة، موضحًا أن التحدي الحقيقي أمام الجمهور لم يعد مرتبطًا فقط بوجود معلومات خاطئة، وإنما بكيفية توظيف معلومات صحيحة بصورة انتقائية لإنتاج استنتاجات غير دقيقة.
جدل حول التاريخ المصري
وأكد رئيس لجنة العلاقات الخارجية، أنه لاحظ خلال الفترة الأخيرة تصاعدًا واضحًا في الهجوم وإثارة الجدل حول التاريخ المصري الحديث، مشيرًا إلى أن هذا النوع من المحتوى يمكن أن يؤدي إلى حالة من الانقسام المجتمعي حول شخصيات وأحداث تاريخية تحتاج إلى دراسة هادئة وموضوعية بعيدًا عن التناول الانتقائي، وأن قطاعًا كبيرًا من المواطنين لديه رغبة حقيقية في معرفة الحقائق وفهم تفاصيل التاريخ المصري، إلا أن هناك فراغًا في تقديم المحتوى الذي يجيب عن هذه التساؤلات بطريقة علمية ومنظمة، وهو ما يفتح المجال أمام مصادر غير موثوقة لتقديم رواياتها الخاصة واستغلال رغبة الجمهور في المعرفة.
وتطرق رئيس لجنة الخارجية، إلى الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي في إنتاج وتداول المحتوى، واصفًا هذه التكنولوجيا بأنها «الوحش الجديد»، في إشارة إلى قدرتها الكبيرة على إنتاج كميات ضخمة من النصوص والصور والمقاطع وإعادة صياغة المعلومات في أشكال متعددة خلال وقت قصير، وأن أفضل تشبيه يمكن أن يصف الذكاء الاصطناعي في هذا السياق هو أنه «مثل الخلاط»، لأنه يستطيع دمج معلومات ومصادر وأفكار مختلفة وإعادة إنتاجها في صورة جديدة، الأمر الذي قد يجعل مهمة التمييز بين المحتوى الصحيح والمحتوى المضلل أكثر صعوبة، خاصة بالنسبة إلى المستخدم الذي لا يمتلك أدوات التحقق اللازمة.
مطالب بإعداد قادة للرأي العام
وشدد رئيس لجنة العلاقات الخارجية، على أهمية التعامل مع أزمة المحتوى المضلل باعتبارها قضية تحتاج إلى رؤية متكاملة، تبدأ من الاهتمام بالمحتوى الذي يتم إنتاجه وتداوله، ولا تنتهي عند مجرد مواجهة الأخبار الكاذبة بعد انتشارها، مؤكدًا ضرورة تقديم معلومات موثوقة وقادرة على الإجابة عن أسئلة الجمهور، داعية إلى العمل على تنمية وإعداد قادة للرأي العام يمتلكون القدرة على توجيه المواطنين وإرشادهم بصورة موضوعية، مع امتلاك أدوات تساعدهم على تحليل المعلومات وفهم السياقات المختلفة، بما يساهم في بناء وعي أكثر قدرة على التعامل مع الحملات والمحتويات التي تستهدف التأثير في اتجاهات الجمهور.

واختتم الدكتور محمد كمال، بالتأكيد على أن مواجهة التضليل المعلوماتي تتطلب رفع مستوى الوعي لدى المواطنين، وتعزيز قدرتهم على التحقق من المصادر وعدم الانسياق وراء المحتوى لمجرد أنه يحمل أرقامًا أو معلومات تبدو علمية، موضحًا أن المعلومة لا تصبح صحيحة لمجرد تقديمها في قالب احترافي أو مدعوم برسوم وبيانات، وأن التطور التكنولوجي السريع يفرض تحديات جديدة أمام المجتمع، خاصة مع قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج محتوى واسع الانتشار، مشددًا على أن الاستثمار في الوعي وإعداد شخصيات قادرة على مخاطبة الجمهور بموضوعية يمثل أحد أهم أدوات مواجهة المعلومات المضللة والحفاظ على قراءة متوازنة للتاريخ والقضايا العامة.


