أستاذ التاريخ: قرار التأميم كان تتويجًا لنضال طويل من أجل قناة السويس|فيديو
أكد الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ، أن قرار تأميم قناة السويس الذي أعلنه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في السادس والعشرين من يوليو عام 1956، لم يكن مجرد قرار سياسي أو اقتصادي، بل مثل لحظة تاريخية فارقة أعادت للمصريين السيطرة على أحد أهم أصولهم الوطنية، وحققت حلمًا ظل حاضرًا في الوجدان المصري لعقود طويلة، وأن قناة السويس كانت منذ إنشائها رمزًا لمعاناة المصريين، بعدما شارك مئات الآلاف من الفلاحين في أعمال الحفر تحت ظروف شاقة، بينما لم تكن الدولة المصرية تستفيد من عائداتها بالشكل الذي يتناسب مع أهميتها، وهو ما جعل استعادة القناة هدفًا وطنيًا تبنته الحركة الوطنية المصرية منذ بدايات القرن العشرين.
استعادة القناة.. مطلبًا وطنيًا
وأشار أستاذ التاريخ، خلال لقاء في برنامج "صباح الخير يا مصر"، المذاع عبر القناة الأولى، إلى أن فكرة استرداد قناة السويس لم تكن وليدة لحظة إعلان التأميم، وإنما كانت حاضرة في الفكر السياسي المصري منذ سنوات طويلة، لافتًا إلى أن الزعيم مصطفى كامل كان من أوائل الشخصيات التي طالبت بإنهاء السيطرة الأجنبية على القناة واستعادة حقوق مصر فيها، وأن قناة السويس مثلت بالنسبة للمصريين رمزًا للسيادة الوطنية، خاصة أن موقعها الاستراتيجي جعلها واحدة من أهم الممرات الملاحية في العالم، بينما كانت إدارتها وعوائدها تخضع لسيطرة أجنبية، الأمر الذي عزز المطالب الشعبية والسياسية بضرورة استعادتها وإدارتها بأيدٍ مصرية.
وكشف أستاذ التاريخ، عن تفاصيل مثيرة صاحبت إعلان قرار التأميم، موضحًا أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر استخدم اسم "ديليسبس" خلال خطابه التاريخي في مدينة الإسكندرية باعتباره كلمة السر التي اتفق عليها مسبقًا لبدء تنفيذ خطة السيطرة على شركة قناة السويس، وأن مجموعات من الضباط المصريين، بقيادة المهندس محمود يونس وعدد من القيادات الوطنية، تحركت فور سماع كلمة السر إلى مقار شركة قناة السويس، لتنفيذ خطة محكمة أُعدت بدقة شديدة، بهدف نقل إدارة القناة إلى الدولة المصرية دون تعطيل حركة الملاحة أو إثارة الفوضى.
السيطرة على الشركة بهدوء
وأكد أستاذ التاريخ، أن عملية السيطرة على مكاتب شركة قناة السويس جرت باحترافية كبيرة، حيث لم تشهد أي مواجهات أو اضطرابات، موضحًا أن المسؤولين الأجانب داخل الشركة استجابوا للإجراءات التي اتخذتها السلطات المصرية، وتم تنفيذ عملية نقل الإدارة بصورة منظمة، وأن المرشدين المصريين، إلى جانب عدد من الخبراء والأصدقاء من الدول الداعمة لمصر في ذلك الوقت، لعبوا دورًا مهمًا في ضمان استمرار حركة الملاحة داخل القناة، قبل أن تتولى الكوادر المصرية، وعلى رأسها ضباط البحرية، إدارة المرفق الحيوي بكفاءة بعد تلقيهم التدريب اللازم.
وأشار أستاذ التاريخ، إلى أن قرار التأميم جاء في توقيت بالغ الحساسية على الصعيد الدولي، حيث كانت المنطقة تشهد صراعًا محتدمًا بين القوى الكبرى، مؤكدًا أن هذه الخطوة لم تكن مجرد قرار داخلي، بل حملت أبعادًا سياسية واستراتيجية غيرت الكثير من موازين القوى خلال تلك المرحلة، وأن الولايات المتحدة كانت تسعى آنذاك إلى تقليص النفوذ البريطاني والفرنسي في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما جعل أزمة قناة السويس تتجاوز حدودها الإقليمية، لتصبح جزءًا من التنافس الدولي بين القوى الكبرى، الأمر الذي منح قرار التأميم أهمية عالمية كبيرة.
قرار تاريخي.. مفهوم السيادة
وأكد أستاذ التاريخ، أن نجاح مصر في إدارة قناة السويس بعد التأميم أثبت قدرة الدولة على إدارة أحد أهم المرافق الاقتصادية في العالم بكفاءة واقتدار، مشيرًا إلى أن هذا القرار عزز من مكانة مصر السياسية والاقتصادية، ورسخ مفهوم السيادة الوطنية والاستقلال في مواجهة الهيمنة الأجنبية، وأن عائدات القناة بعد التأميم أصبحت تسهم بصورة مباشرة في دعم خطط التنمية وتمويل المشروعات القومية، وهو ما جعل القرار يمثل نقطة تحول في مسيرة الاقتصاد المصري، إلى جانب ما حمله من دلالات سياسية عميقة على المستوى الإقليمي والدولي.

واختتم الدكتور جمال شقرة، بالتأكيد على أن قرار تأميم قناة السويس سيظل واحدًا من أبرز الإنجازات الوطنية في التاريخ الحديث، ليس فقط لأنه أعاد لمصر السيطرة على مرفق استراتيجي بالغ الأهمية، وإنما لأنه جسّد إرادة شعب سعى طويلًا لاستعادة حقوقه وسيادته على مقدراته، وأن هذه الخطوة التاريخية أصبحت نموذجًا في الدفاع عن المصالح الوطنية، ورسخت مكانة قناة السويس كأحد أهم الممرات الملاحية العالمية التي تديرها مصر بكفاءة، لتظل القناة رمزًا للسيادة الوطنية والقدرة على اتخاذ القرارات المصيرية التي تحفظ حقوق الدولة وتخدم مصالحها الاستراتيجية.


