سماح عبد الفتاح: النقد المستمر داخل الأسرة يدفع الأبناء للهروب النفسي|فيديو
حذّرت سماح عبد الفتاح، الاستشارية الأسرية، من تنامي ظاهرة الهروب الأسري، مؤكدة أن الانتقاد المتكرر داخل بعض المنازل أصبح من أبرز الأسباب التي تدفع الأبناء إلى الابتعاد نفسيًا وسلوكيًا عن أسرهم، والبحث عن بيئات يشعرون فيها بالقبول والدعم بدلًا من اللوم المستمر، وإن العديد من الأسر تمارس دون قصد أسلوبًا يوميًا قائمًا على توجيه الملاحظات والانتقادات في كل تفاصيل الحياة، وهو ما يخلق حالة من الضغط النفسي لدى الأبناء، ويؤثر على شعورهم بالأمان والانتماء داخل المنزل.
الملاحقة بالتعليقات داخل الأسرة
وأوضحت الاستشارية الأسرية، خلال حلقة برنامج «الرحلة» المذاع على قناة «الناس»، أن بعض البيوت أصبحت تعيش ما وصفته بـ"الملاحقة بالتعليقات"، حيث يتعرض الأبناء لسيل متواصل من الأسئلة والانتقادات حول ملابسهم، وتصرفاتهم، وطريقة حديثهم، وما يفعلونه أو لا يفعلونه، بصورة تجعل الحوار اليومي أقرب إلى جلسة تقييم مستمرة، وأن تكرار عبارات الانتقاد مثل: "إيه اللي أنت لابساه؟" أو "ليه عملت كده؟" أو "ليه ما عملتش كده؟" يجعل الأبناء يشعرون مع مرور الوقت بأنهم محل مراقبة دائمة، وليسوا موضع ثقة أو احتواء، الأمر الذي ينعكس سلبًا على علاقتهم بأفراد الأسرة.
وأكدت الاستشارية الأسرية، أن المشكلة لا تكمن في تقديم النصيحة أو التوجيه، وإنما في الأسلوب الذي يتم به ذلك، مشيرة إلى أن الانتقاد المستمر دون كلمات تشجيع أو دعم نفسي يتحول إلى عبء ثقيل يترك آثارًا سلبية على شخصية الأبناء، وأن تراكم هذا الضغط يدفع كثيرًا من الأبناء إلى الانسحاب تدريجيًا من التفاعل الأسري، سواء بالصمت أو بالعزلة داخل المنزل، أو بقضاء معظم أوقاتهم بعيدًا عن أفراد الأسرة، وهو ما يمثل أحد أشكال الهروب الأسري الذي أصبح يتكرر بصورة ملحوظة.
التكنولوجيا ملاذًا للهروب
وأوضحت الاستشارية الأسرية، أن التطور التكنولوجي أتاح للأبناء بدائل كثيرة للهروب من الأجواء السلبية داخل المنزل، حيث أصبحت الهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، وأجهزة الكمبيوتر، ووسائل التواصل الاجتماعي، توفر مساحات يشعر فيها الفرد بأنه أكثر تقبلًا وأقل تعرضًا للانتقاد، وأن كثيرًا من الأشخاص يفضلون التواجد داخل مجتمعات رقمية تمنحهم الإحساس بالتقدير والتشجيع، وتسمح لهم بالتعبير عن آرائهم وشخصياتهم بحرية، بعيدًا عن الضغوط اليومية التي قد يواجهونها داخل بعض البيوت.
وشددت الاستشارية الأسرية، على أن التكنولوجيا ليست السبب الحقيقي وراء ضعف العلاقات الأسرية، مؤكدة أن استخدامها في حد ذاته ليس أمرًا سلبيًا، وإنما تكمن المشكلة في الدوافع التي تجعل الأبناء يهربون إليها ويقضون معظم أوقاتهم أمام الشاشات، وأن الأسرة التي توفر مساحة للحوار والاستماع والتفاهم لن تجد أبناءها مضطرين للبحث عن بدائل خارج المنزل، بينما تؤدي البيئات التي يغيب عنها الاحتواء إلى دفع الأبناء نحو العزلة أو الانشغال بالعالم الافتراضي بصورة مبالغ فيها.
التوازن بين التوجيه والاحتواء
وأكدت الاستشارية الأسرية، أن التربية السليمة لا تعتمد على النقد وحده، بل تقوم على تحقيق توازن بين التوجيه والتشجيع، بحيث يشعر الأبناء بأن الخطأ يمثل فرصة للتعلم وليس سببًا دائمًا للتوبيخ أو التقليل من قدراتهم، وأن الكلمات الإيجابية والدعم النفسي لا يقلان أهمية عن وضع الضوابط والقواعد داخل الأسرة، لأن الأبناء يحتاجون إلى الشعور بالقبول والثقة حتى يتمكنوا من بناء شخصيات مستقلة ومتوازنة وقادرة على تحمل المسؤولية.

واختتمت الاستشاري سماح عبد الفتاح، بالتأكيد على أن البيئات الأسرية التي يسودها الاحترام والاحتواء والتقبل تظل الأكثر قدرة على الحفاظ على تماسك أفرادها، مشيرة إلى أن الأبناء ينجذبون بطبيعتهم إلى الأماكن التي يشعرون فيها بالأمان النفسي والتقدير، وأن النقد المستمر دون احتواء لا يحقق الإصلاح المنشود، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في اتساع الفجوة بين أفراد الأسرة، وفقدان لغة الحوار، واتجاه الأبناء إلى الهروب النفسي أو الاجتماعي، داعية الأسر إلى إعادة النظر في أساليب التواصل، واستبدال اللوم الدائم بالحوار والدعم، بما يسهم في بناء علاقات أسرية أكثر استقرارًا وتوازنًا.


