خالد الجندي: القرآن يؤكد أن الكون يسير وفق مقادير إلهية ثابتة
أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن القرآن الكريم وضع مفهومًا دقيقًا وشاملًا لمعنى "القدر"، موضحًا أن هذا المفهوم لا يقتصر على المعنى المتداول بين الناس، وإنما يرتبط بالسنن الإلهية والقوانين الثابتة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الكون، والتي تنظم حركة الحياة وتحافظ على اتزانها واستقرارها، وأن المتدبر في آيات القرآن الكريم يكتشف أن الله سبحانه وتعالى أرسى نظامًا محكمًا للكون يقوم على مقادير ثابتة لا تتغير ولا تضطرب، مستشهدًا بقوله تعالى: «إنا كل شيء خلقناه بقدر»، وهي آية تؤكد أن جميع المخلوقات تسير وفق تقدير إلهي دقيق لا يعتريه خلل أو اضطراب.
التقدير الإلهي.. الكون والحياة
وأشار عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، خلال تقديمه برنامج "لعلهم يفقهون" المذاع عبر قناة dmc، إلى أن القرآن الكريم عاد ليؤكد هذا المعنى في موضع آخر من خلال قوله تعالى: «وخلق كل شيء فقدره تقديرًا» من سورة الفرقان، موضحًا أن التقدير الإلهي يعني وجود مقادير ثابتة تحكم حركة الكون والإنسان والطبيعة، بحيث يسير كل شيء وفق نظام دقيق وضعه الله عز وجل منذ خلق السماوات والأرض، وأن هذه المقادير ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل هي قوانين تحكم مختلف تفاصيل الحياة، بداية من حركة الإنسان، وحتى الظواهر الطبيعية التي يشهدها الكون يوميًا، مؤكدًا أن انتظام الحياة واستمرارها يرتبط ارتباطًا وثيقًا باحترام هذه السنن الإلهية وعدم مخالفتها.
وأوضح الداعية الإسلامي، وأن الله سبحانه وتعالى أقام الكون على مجموعة من النواميس والقوانين التي تحقق التوازن بين جميع المخلوقات، لافتًا إلى أن هذه السنن تشمل كل ما يتعلق بحياة الإنسان، سواء في الصحة والمرض، أو القوة والضعف، أو الغنى والفقر، أو العلم والجهل، وأن هذه الموازين الإلهية تمثل الأساس الذي تقوم عليه الحياة الإنسانية، ولا يجوز للإنسان أن يتعامل معها باستخفاف أو يظن أنه قادر على تجاوزها، لأن مخالفة هذه القوانين تؤدي في النهاية إلى وقوع المشكلات والاضطرابات، و أن إدراك الإنسان لهذه السنن يساعده على فهم طبيعة الحياة بصورة صحيحة، ويجعله أكثر وعيًا بحدوده وإمكاناته، وهو ما ينعكس على سلوكه وتصرفاته في مختلف المواقف.
المعجزات والكرامات.. القواعد العامة
وأوضح الداعية الإسلامي، أن المعجزات والكرامات لا تنفي وجود النواميس الكونية، وإنما تمثل استثناءً بإرادة الله سبحانه وتعالى من القواعد العامة التي تحكم الكون، أن المعجزة تكون للنبي تأييدًا لرسالته، بينما الكرامة تكون للولي تكريمًا من الله، مؤكدًا أن كلا الأمرين يعد خرقًا للمقادير المعتادة التي يسير عليها الكون، لكنه يظل مرتبطًا بالمشيئة الإلهية وحدها.
واستشهد الداعية الإسلامي، بقصة أصحاب الكهف الواردة في القرآن الكريم، موضحًا أن بقاء مجموعة من البشر نائمين داخل الكهف لمدة ثلاثمائة سنة يمثل خرقًا واضحًا للسنن الطبيعية المعتادة، مستدلًا بقوله تعالى: «ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين»، مستعرضاً معجزة سيدنا موسى عليه السلام وانفلاق البحر لبني إسرائيل، مؤكدًا أن القاعدة الطبيعية تقضي بأن من يقع في البحر يغرق، إلا أن الله سبحانه وتعالى جعل البحر طريقًا للنجاة، في صورة من صور الإعجاز الإلهي التي تؤكد قدرة الله المطلقة على تغيير الأسباب متى شاء.
رزق السيدة مريم دليل
وتناول عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، قصة السيدة مريم عليها السلام، مستشهدًا بقوله تعالى: «كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا»، موضحًا أن وصول الرزق إليها دون الأسباب المعتادة يعد من صور الكرامات التي يكرم الله بها من يشاء من عباده، وأن هذه الوقائع القرآنية تعلم الإنسان الإيمان بقدرة الله المطلقة، لكنها في الوقت نفسه لا تدعوه إلى ترك الأسباب أو انتظار الخوارق في حياته اليومية.
واختتم الشيخ خالد الجندي، بالتأكيد على أن الإيمان بالمعجزات والكرامات لا يعني إهمال القوانين التي أودعها الله في الكون، بل إن المسلم مطالب بالأخذ بالأسباب واحترام النواميس الكونية التي تقوم عليها الحياة، وأن كثيرًا من الأزمات التي يواجهها الإنسان ترجع إلى عدم إدراكه لقدراته الحقيقية أو تجاوزه للحدود التي رسمها الله له، مؤكدًا أن معرفة الإنسان لقدره الحقيقي واحترامه لموازين الحياة يجنبانه الوقوع في الأخطاء، ويمنحانه القدرة على التعامل مع الواقع بحكمة واتزان، في إطار الإيمان بأن كل شيء في هذا الكون يجري وفق تقدير إلهي محكم لا يختل ولا يتغير.


