رئيس التحرير
أحمد رجب زكري

خالد الجندي: التفضيل القرآني لبني إسرائيل مرتبط بزمن محدد لا مطلق

الشيخ خالد الجندي
الشيخ خالد الجندي

أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن فهم بعض الآيات القرآنية المتعلقة ببني إسرائيل يحتاج إلى تدبر دقيق لمعانيها وسياقها التاريخي، مشددًا على أن قوله تعالى: "وأني فضلتكم على العالمين" لا يعني تفضيل بني إسرائيل على جميع البشر في كل زمان ومكان، وإنما يشير إلى تفضيل خاص ارتبط بمرحلة زمنية محددة وظروف تاريخية معينة.


الآيات المتعلقة ببني إسرائيل 


وأوضح خالد الجندي، خلال تقديمه برنامج "لعلهم يفقهون" المذاع عبر قناة DMC، أن التفسير الخاطئ لهذه الآية أدى لدى البعض إلى الاعتقاد بأن التفضيل كان مطلقًا ودائمًا، بينما الحقيقة أن القرآن الكريم يربط كثيرًا من الأحكام والأوصاف بالسياق الذي وردت فيه، وهو ما يجب مراعاته عند فهم النصوص الدينية، وأن التفضيل المذكور في الآية جاء في مرحلة كان فيها بنو إسرائيل يمثلون جماعة تؤمن بالله وسط مجتمعات انتشرت فيها عبادة الأصنام والملوك والنجوم، وبالتالي كان التفضيل متعلقًا بهذا الظرف الإيماني الخاص وليس تفوقًا دائمًا أو مطلقًا على البشرية كلها.


وتوقف الداعية الإسلامي، عند أحد المشاهد القرآنية البارزة في قصة سيدنا موسى وبني إسرائيل، عندما وجدوا أنفسهم محاصرين بين البحر من جهة وجيش فرعون من جهة أخرى، وأن رد فعل بني إسرائيل في تلك اللحظة جاء معبرًا عن حالة من الخوف والانهيار النفسي، حيث قالوا: "إنا لمدركون"، وهو ما يعكس ضعف الثقة في تحقق النصر الإلهي رغم ما شاهدوه من آيات ومعجزات.


مشهد البحر وفرعون يكشف


وأكد الداعية الإسلامي، أن هذه اللحظة القرآنية تحمل دلالات تربوية مهمة، لأنها تكشف جانبًا من طبيعة الإنسان عندما يواجه الأزمات والشدائد، حيث قد يتسلل إليه اليأس رغم وجود أسباب النجاة، وأن القرآن الكريم لا يورد هذه المواقف لمجرد السرد التاريخي، بل لتقديم نماذج بشرية يمكن الاستفادة منها في فهم النفس الإنسانية وكيفية التعامل مع المحن والتحديات.


وأشار عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إلى أن القرآن الكريم لم يتوسع في ذكر أخطاء بني إسرائيل أو عيوبهم خلال فترة استضعافهم تحت حكم فرعون، حيث كانوا يعيشون ظروفًا قاسية من الظلم والقهر، وأن التحول الحقيقي ظهر بعد النجاة من فرعون وعبور البحر، إذ بدأت بعض السلوكيات والتصرفات التي كشفت عن طبيعة تعاملهم مع النعم والاختبارات الجديدة.


القرآن لم يبرز أخطاء بني إسرائيل


وأكد الداعية الإسلامي، أن هذه النقطة تعكس درسًا مهمًا، وهو أن بعض الصفات البشرية قد لا تظهر بوضوح أثناء المحن، لكنها تتجلى عندما تزول الأزمات ويشعر الإنسان بالأمان والاستقرار، وأن القصص القرآني يقدم بذلك صورة متكاملة لطبيعة الإنسان في مختلف المراحل، سواء في أوقات الشدة أو بعد تحقق النجاة.


وشدد خالد الجندي، على أن من أبرز الدروس المستفادة من قصة بني إسرائيل هو وجود فرق بين الإيمان النظري والسلوك العملي، وأن بني إسرائيل كانوا يؤمنون بالله من الناحية العقدية، لكن هذا الإيمان لم ينعكس دائمًا على تصرفاتهم ومواقفهم العملية، وهو ما تناوله القرآن الكريم في أكثر من موضع.


التناقض بين العقيدة والسلوك


واستشهد الداعية الإسلامي، بقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون"، موضحًا أن المشكلة لا تكمن في الاعتقاد فقط، بل في مدى ترجمة هذا الاعتقاد إلى أفعال ومواقف وسلوكيات يومية، وأن هذا المعنى لا يخص بني إسرائيل وحدهم، بل يمثل رسالة عامة لكل البشر، تدعو إلى التوافق بين ما يؤمن به الإنسان وما يمارسه في حياته.


وأوضح خالد الجندي، أن مفهوم التفضيل الوارد في القرآن لا يعني الأفضلية المطلقة في جميع المجالات، وإنما قد يكون مرتبطًا بصفة معينة أو ظرف محدد، وأن القرآن استخدم مفهوم التفضيل في أكثر من موضع، وكل حالة لها سياقها الخاص، ولذلك لا يجوز تعميم المعنى أو إخراجه من إطاره الزمني والتاريخي.


معنى التفضيل في القرآن الكريم


وأكد الداعية الإسلامي، أن تفضيل بني إسرائيل كان متعلقًا بدورهم في تلك المرحلة التاريخية وبحملهم رسالة التوحيد في بيئة انتشرت فيها أشكال متعددة من الشرك والوثنية، وأن هذا الفهم الدقيق للنصوص القرآنية يساعد على تجنب التفسيرات المغلوطة ويعزز من قدرة المسلمين على تدبر كتاب الله بصورة أعمق وأكثر اتزانًا.


واختتم الشيخ خالد الجندي، بالتأكيد على أن قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم ليست مجرد سرد تاريخي لأحداث مضت، وإنما هي نموذج متكرر للطبيعة الإنسانية بكل ما تحمله من نقاط قوة وضعف، وأن الإنسان قد يلجأ إلى الله بإخلاص وقت الشدة، لكنه قد ينسى أو يجحد بعض النعم عندما تزول الأزمات، وهو ما عرضه القرآن الكريم في مواضع عديدة، إذ أن تدبر هذه القصص يمنح الإنسان فرصة لفهم نفسه ومراجعة سلوكه، ويؤكد أن الرسائل القرآنية موجهة لكل البشر في كل زمان، بهدف بناء شخصية أكثر وعيًا وإيمانًا وثباتًا أمام التحديات.

تم نسخ الرابط