رئيس التحرير
أحمد رجب زكري

خالد الجندي: الصبر أول شروط التعلم.. والخضر لم يحكم على موسى بل قيد الحكم

الشيخ خالد الجندي
الشيخ خالد الجندي

أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن قصة سيدنا موسى والخضر عليهما السلام تمثل واحدة من أعظم النماذج القرآنية التي ترسخ قواعد التربية والتعلم، موضحًا أن الصبر يعد الركيزة الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في رحلة طلب العلم واكتساب المعرفة، متناولا الدلالات التربوية العميقة التي تحملها الآيات الكريمة في سورة الكهف، مؤكدًا أن القرآن الكريم يقدم منهجًا متكاملًا في العلاقة بين المعلم والمتعلم، ويضع قواعد أخلاقية وسلوكية تضمن نجاح هذه العلاقة واستمرارها.


التعبير القرآني.. وصف الصبر


وأشار  الداعية الإسلامي، خلال حلقة خاصة بعنوان "حوار الأجيال" ضمن برنامج "لعلهم يفقهون" المذاع عبر قناة DMC، إلى أن الحوار الذي دار بين سيدنا موسى والخضر عليهما السلام لا يقتصر على كونه قصة تاريخية أو موقفًا عابرًا، بل يحمل في طياته دروسًا إنسانية وتربوية تصلح لكل زمان ومكان، خاصة فيما يتعلق بأهمية الصبر والتواضع أثناء تلقي العلم.


وأوضح خالد الجندي،  أن قول الخضر لسيدنا موسى: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يحمل دلالة لغوية وتربوية دقيقة للغاية، مشيرًا إلى أن الخضر لم يصدر حكمًا عامًا على موسى بعدم الصبر، وإنما قيد هذا الحكم بظرف محدد وهو صحبته الخاصة في تلك الرحلة، وأن كلمة "معي" جاءت لتؤكد أن عدم القدرة على الصبر مرتبط بطبيعة الأحداث التي سيشهدها موسى خلال هذه التجربة الاستثنائية، وليس وصفًا عامًا لشخصيته أو سلوكه، إذ أن هذا الأسلوب يمثل نموذجًا راقيًا في الخطاب التربوي، حيث يبتعد المعلم عن إطلاق الأحكام المطلقة على المتعلم، ويحرص على تحديد الموقف أو الظرف الذي يقتضي هذا الحكم، وهو ما يعكس الإنصاف والعدل في التعامل.


التماس الأعذار للمتعلم


وأشار الداعية الإسلامي، إلى أن الآية التالية: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ تكشف جانبًا مهمًا من أخلاقيات التعليم، حيث لم يكتفِ الخضر بإخبار موسى بصعوبة الصبر، بل أوضح السبب الحقيقي وراء ذلك، وأن الخضر التمس العذر لموسى عليه السلام، مبينًا أن الإنسان بطبيعته يجد صعوبة في تقبل الأمور التي يجهل حقيقتها أو لا يدرك الحكمة الكامنة وراءها.


ولفت الداعية الإسلامي، إلى أن هذه الآية تعلم المعلمين ضرورة تفهم طبيعة المتعلمين ومراعاة مستوى إدراكهم، وعدم تحميلهم ما يفوق قدرتهم على الفهم والاستيعاب، وأن كثيرًا من المواقف التي تبدو غامضة أو غير مفهومة قد تدفع الإنسان إلى الاعتراض أو التساؤل، ليس بسبب سوء النية، وإنما بسبب غياب المعرفة الكافية التي تمكنه من رؤية الصورة الكاملة.


الخبرة السابقة تصنع الفهم


وأوضح عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن كلمة "خبرًا" الواردة في الآية الكريمة تحمل معاني أعمق من مجرد العلم النظري، إذ تشير إلى المعرفة القائمة على الخبرة والتجربة والإحاطة الكاملة بالأمور، وأن سيدنا موسى لم يكن يمتلك خبرة سابقة بهذه الأحداث الغيبية أو الحكمة الإلهية الكامنة وراءها، لذلك كان من الطبيعي أن يتساءل أو يعترض على بعض التصرفات التي شاهدها خلال رحلته مع الخضر، إذ أن الإنسان عندما يفتقد الخلفية المعرفية الكافية يصبح أكثر عرضة للتسرع في إصدار الأحكام، وهو ما يؤكد أهمية التريث والصبر قبل الوصول إلى النتائج النهائية.


وأكد خالد الجندي، أن النموذج القرآني في قصة موسى والخضر يقدم تصورًا متكاملًا للعلاقة بين المعلم والمتعلم، تقوم أركانه على الصبر والتواضع والاحترام المتبادل وحسن الظن، وأن طالب العلم يحتاج إلى الصبر على التعلم، كما يحتاج المعلم إلى الصبر على المتعلم، مشيرًا إلى أن النجاح في مسيرة العلم لا يتحقق إلا بوجود هذه القيم مجتمعة.


التواضع.. مفتاح المعرفة 


وأضاف الداعية الإسلامي، أن التواضع يمثل أحد أهم مفاتيح المعرفة، لأن الإنسان كلما ازداد علمًا أدرك حجم ما يجهله، وهو ما يدفعه إلى الاستمرار في التعلم والبحث، مشدداً على أن حسن الظن والتماس الأعذار من أهم الأسس التي تضمن استمرار العلاقة التعليمية بصورة إيجابية بعيدًا عن التوتر أو سوء الفهم.


واختتم الشيخ خالد الجندي، بالتأكيد على أن القرآن الكريم لا يقدم الأحكام والقيم بصورة نظرية فقط، بل يعرضها من خلال مواقف عملية مؤثرة تترك أثرًا عميقًا في النفوس، إذ أن تدبر هذه القصص القرآنية يساعد الإنسان على فهم سنن الحياة واكتساب الحكمة في التعامل مع الآخرين، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، مؤكدًا أن طلب العلم يحتاج إلى صبر، وأن الصبر يظل الطريق الأقصر للوصول إلى المعرفة الحقيقية والنجاح في الدنيا والآخرة.

تم نسخ الرابط