تداعيات الأزمة.. حسن سلامة: صراع الإرادات بين أمريكا وإيران يهدد المنطقة|فيديو
أكد الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، أن التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران دخلت مرحلة جديدة من التصعيد، في ظل استمرار تبادل الرسائل الحادة والتهديدات المتبادلة بين الطرفين، موضحًا أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على واشنطن وطهران فقط، وإنما تمتد آثارها إلى المنطقة والعالم، خاصة مع استمرار التلويح بإمكانية إغلاق مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة عالميًا، وأن المواجهة الحالية يمكن وصفها بأنها «صراع إرادات» بين الولايات المتحدة باعتبارها القوة العسكرية الأكبر عالميًا، وإيران باعتبارها قوة إقليمية تمتلك أدوات متعددة للتأثير والضغط، مشيرًا إلى أن طهران نجحت في توظيف أوراق استراتيجية، وفي مقدمتها ملف الملاحة في مضيق هرمز، لرفع تكلفة أي تصعيد عسكري وإجبار واشنطن على إعادة حساباتها.
عسكرة القرار داخل إيران
وأشار أستاذ العلوم السياسية، خلال لقائه في برنامج «الساعة 6» المذاع عبر قناة «الحياة»، إلى أن التغييرات والتعيينات الأخيرة داخل الجيش والحرس الثوري الإيراني تعكس، من وجهة نظره، تنامي ما وصفه بـ«عسكرة القرار» داخل طهران، موضحًا أن التيار الأكثر تشددًا بات يمتلك نفوذًا أكبر في تحديد مسار التعامل مع الأزمة، مستندًا إلى عقيدة «ولاية الفقيه» وإلى رغبة واضحة في الرد على استهداف عدد من الرموز والشخصيات الإيرانية، وأن هذا التحول جعل إيران تتعامل مع الأزمة وفق استراتيجية تقوم على أنها «ليس لديها ما تخسره»، وهو ما يفسر، بحسب تحليله، ارتفاع سقف المطالب الإيرانية في أي مفاوضات محتملة، بالتزامن مع استمرار الضغط على الولايات المتحدة من خلال أدوات عسكرية وسياسية وملاحية، بما يجعل أي قرار أمريكي بالتصعيد أكثر تعقيدًا.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية، أن طهران تراقب بدقة طبيعة التحركات الأمريكية، وتسعى إلى استغلال أي تراجع في مستوى التصعيد من أجل التقدم خطوة إضافية على المستوى السياسي والتفاوضي، لافتًا إلى أن الشروط التي تطرحها إيران للعودة إلى مسار التهدئة تبدو مرتفعة، وتشمل رفع العقوبات والحصار، والحصول على تعويضات، إلى جانب وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، وأن الأزمة تعكس كذلك وجود تباين داخل المشهد الإيراني بين تيار سياسي أكثر براغماتية وتيار عسكري وأمني أكثر تشددًا، معتبرًا أن هذا الانقسام لا يعني بالضرورة ضعف الدولة الإيرانية، بل قد يتحول إلى أداة تستخدمها طهران في إدارة المفاوضات، من خلال رفع سقف التصعيد أحيانًا وترك الباب مفتوحًا أمام الوساطات في أحيان أخرى.
حرب غير متكافئة
ووصف أستاذ العلوم السياسية، المواجهة بين واشنطن وطهران بأنها «حرب غير متكافئة»، موضحًا أن امتلاك طرف لفائض كبير من القوة العسكرية لا يعني بالضرورة قدرته على تحقيق أهدافه السياسية بسرعة، مشيرًا إلى أن التجارب التاريخية تؤكد أن الحروب الطويلة قد تستنزف الطرف الأقوى، بينما تمنح الطرف الأضعف فرصًا أكبر للمناورة وإطالة أمد المواجهة، وأن استمرار الأزمة بهذه الصورة يضع الهيبة العسكرية الأمريكية أمام اختبار صعب، خاصة إذا تحولت المواجهة إلى صراع طويل ومفتوح، معتبرًا أن واشنطن قد تجد نفسها أمام تكلفة سياسية وعسكرية واقتصادية متزايدة، لاسيما في ظل الضغوط المرتبطة بمخزونات الذخائر وقدرات الدفاع الجوي والصاروخي.
وكشف أستاذ العلوم السياسية، عن أن الضغوط الداخلية والانتخابية تمثل عاملًا مهمًا في حسابات الإدارة الأمريكية، موضحًا أن الاتجاه نحو التفاوض يمكن أن يوفر مخرجًا سياسيًا يحفظ ماء الوجه، بدلًا من الانخراط في حرب مفتوحة يصعب ضمان نتائجها أو تحديد سقف زمني واضح لنهايتها، وأن أي تصعيد واسع مع إيران يمكن أن يفرض أعباء إضافية على الولايات المتحدة، سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية، فضلًا عن انعكاساته على أسعار الطاقة والأسواق العالمية، وهو ما يجعل خيار التفاوض والوساطة حاضرًا بقوة، حتى في ظل استمرار التصريحات الحادة والرسائل المتبادلة بين الجانبين.
سوء تقدير أمريكي
واعتبر أستاذ العلوم السياسية، أن أحد أبرز الأخطاء الأمريكية تمثل في سوء قراءة طبيعة الشخصية الإيرانية وتاريخ الدولة، موضحًا أن واشنطن راهنت لفترات طويلة على أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات ستؤدي إلى اندلاع ثورة داخلية تطيح بالنظام، إلا أن تطورات الأحداث أثبتت أن الضغوط الخارجية قد تؤدي في أوقات الأزمات إلى نتائج عكسية، وأن التهديد الخارجي والعمليات العسكرية قد يدفعان قطاعات من المجتمع الإيراني إلى الالتفاف حول القيادة، حتى مع وجود احتجاجات داخلية مرتبطة بأوضاع اقتصادية أو اجتماعية، مؤكدًا أن التعامل مع إيران باعتبارها دولة يمكن إخضاعها بالضغط الاقتصادي وحده لا يعكس، من وجهة نظره، تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي داخلها.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية، أن الإيرانيين يمتلكون خبرة كبيرة في إدارة المفاوضات، ويعتمدون بدرجة واضحة على إطالة أمد الحوار وكسب الوقت، مشيرًا إلى الخلفية الأكاديمية والخبرة السياسية لعدد من المفاوضين الإيرانيين، وهو ما يمنح طهران قدرة على المناورة ورفع سقف المطالب مع الحفاظ على قنوات اتصال غير مباشرة، وأن رفض إيران التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة والاعتماد على الوسطاء يعكس إدراكًا لحساسية الموقف الأمريكي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، مؤكدًا أن طهران تسعى إلى استثمار عامل الوقت للوصول إلى أفضل شروط ممكنة، بدلًا من تقديم تنازلات سريعة تحت ضغط التصعيد العسكري.
إسرائيل وترامب.. المواجهة الإقليمية
وإشار أستاذ العلوم السياسية، إلى إن إسرائيل كانت في البداية تمثل الطرف الأبرز في المواجهة مع إيران، قبل أن تتقدم الولايات المتحدة بصورة أكبر إلى واجهة الصراع، موضحًا أن انتقال واشنطن إلى موقع القيادة المباشرة للمواجهة جعل الأزمة أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل تمسك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالحضور في قلب المشهد، وأن شخصية ترامب، بحسب تحليله، لا تميل إلى الاعتراف بالهزيمة أو التراجع، وهو ما يفسر إصراره على استمرار الضغط والتصعيد، رغم صعوبة تحقيق نتائج حاسمة في مواجهة دولة مثل إيران تمتلك أدوات متعددة للرد والمناورة، بما في ذلك الضغط على الملاحة والطاقة والمصالح الأمريكية في المنطقة.

واختتم الدكتور حسن سلامة، بالتأكيد على أن منطقة الشرق الأوسط تعيش حالة من الترقب بشأن المسار الذي ستتجه إليه المواجهة الأمريكية الإيرانية، مشيرًا إلى أن مستقبل الأزمة سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الوسطاء على تقريب وجهات النظر وفتح مسارات للحوار، إلى جانب التطورات السياسية في إسرائيل والولايات المتحدة، وأن مضيق هرمز سيظل أحد أبرز عناصر الضغط في الأزمة، نظرًا لأهميته بالنسبة لحركة التجارة والطاقة العالمية، مؤكدًا أن استمرار التلويح بإغلاقه يرفع من مخاطر المواجهة ويزيد الضغوط على الأسواق الدولية، بينما قد يؤدي التوصل إلى تسوية سياسية إلى خفض حدة التوتر وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة في المنطقة.


