رئيس التحرير
أحمد رجب زكري

من الميزان إلى المشاعر.. كيف تعيد أدوية إنقاص الوزن تشكيل العلاقات؟

صورة موضوعية
صورة موضوعية

لم تعد أدوية إنقاص الوزن من فئة “GLP-1” مجرد وسيلة للتخلص من السمنة وتحسين المؤشرات الصحية، بل أصبحت محورًا لنقاشات تتجاوز الطب إلى علم النفس والاجتماع، بعد أن كشفت تجارب مستخدمين عن تغيرات طالت علاقاتهم العاطفية، وثقتهم بأنفسهم، وحتى نظرتهم لشركاء حياتهم.

ورغم أن الأطباء يحذرون المرضى عادة من الآثار الجانبية المعروفة مثل الغثيان واضطرابات الجهاز الهضمي، فإن تأثير هذه الأدوية على الحياة العاطفية لا يزال منطقة بحثية غير مكتملة، في ظل تزايد شهادات تشير إلى تغيرات في الرغبة الجنسية وطبيعة العلاقات بعد فقدان الوزن.

تحول في الجسد وتحول في المشاعر

تجربة جينيفر، البالغة من العمر 57 عامًا، التي جاءت بصحيفة «الجارديان»، تعكس جانبًا من هذه التحولات، فبعد سنوات طويلة من الصراع مع السمنة، وخضوعها لجراحة تكميم المعدة دون نتائج مستدامة، بدأت استخدام دواء "مونجارو" عام 2023، لتفقد نحو 40 كيلوجرامًا.

لكن ما تغير لم يكن وزنها فقط، بل رؤيتها لنفسها ولعلاقتها بزوجها الذي شاركها الحياة لأكثر من ثلاثة عقود، فمع ارتفاع ثقتها بنفسها، بدأت تراجع كثيرًا من القناعات التي ظلت تربطها بوزنها، وأصبحت أكثر جرأة في التعبير عن احتياجاتها وتوقعاتها داخل العلاقة.

وتؤكد جينيفر أن التغيرات النفسية كانت أكبر مما توقعت، مشيرة إلى أن خضوعها للعلاج النفسي قبل بدء دواء إنقاص الوزن ساعدها على التعامل مع هذه المرحلة.

لماذا قد تؤثر هذه الأدوية في العلاقات؟

يرى متخصصون أن الإجابة لا تزال غير محسومة، فإلى جانب التغيرات الناتجة عن إنقاص الوزن نفسه، تشير أبحاث أولية إلى أن أدوية GLP-1 قد تؤثر في مراكز المكافأة داخل الدماغ، وهي المسؤولة عن تنظيم الشعور بالرغبة والمتعة.

وتوضح الطبيبة المتخصصة في علاج السمنة، تيري-لين ساوث، أن تأثير هذه الأدوية في مسارات الدوبامين قد يفسر انخفاض الرغبة في بعض السلوكيات الإدمانية مثل تناول الكحول أو التدخين، وربما يمتد إلى الرغبة الجنسية لدى بعض الأشخاص.

لكن النتائج العلمية لا تزال متباينة؛ فبينما سجل بعض المستخدمين تحسنًا في حياتهم الجنسية، أبلغ آخرون عن انخفاض واضح في الرغبة، ما يشير إلى أن الاستجابة تختلف من شخص لآخر.

 فقدان الوزن أم اكتشاف الذات؟

يؤكد خبراء الصحة النفسية أن التحولات التي تطرأ بعد خسارة الوزن لا ترتبط بالدواء وحده، وإنما بإعادة بناء صورة الإنسان عن نفسه.

فمع تغير شكل الجسد، يبدأ كثيرون في إعادة تقييم علاقاتهم، واكتشاف احتياجات لم يكونوا يعبرون عنها سابقًا، أو رفض أوضاع كانوا يتقبلونها بدافع ضعف الثقة بالنفس.

ويقول عالم النفس غلين ماكنتوش إن فقدان الوزن لا يصنع مشكلات جديدة داخل العلاقات، لكنه قد يكشف ما كان مخفيًا منها، خاصة عندما تتغير ديناميكيات العلاقة أو يشعر أحد الطرفين بأن الآخر أصبح أكثر استقلالًا وثقة.

عندما تتغير الحياة اليومية

التغيير لا يقتصر على المشاعر، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية.

فالعادات المشتركة التي كانت تجمع الزوجين، مثل تناول الطعام أو الوجبات الخفيفة أثناء مشاهدة التلفاز، قد تختفي مع انخفاض الشهية، وهو ما يفرض نمطًا جديدًا من الحياة يحتاج إلى إعادة التكيف.

كما قد يشعر بعض الشركاء بالقلق من الاهتمام المتزايد الذي يحظى به الطرف الآخر بعد فقدان الوزن، وهو ما قد يخلق توترًا إذا غاب الحوار الصريح بينهما.

فرصة جديدة لكن بوصمة قديمة

أما بالنسبة للعازبين، فقد يمنحهم فقدان الوزن فرصة لخوض تجربة المواعدة بثقة أكبر، إلا أن وصمة السمنة لا تختفي دائمًا.

وتجسد تجربة جوانا وود هذا الواقع؛ إذ عادت إلى المواعدة بعد خسارة 25 كيلوجرامًا، لكنها ترددت طويلًا قبل إخبار شريكها بأنها تستخدم دواء لإنقاص الوزن، خشية أن يُنظر إليها باعتبارها حققت نتائجها بطريقة "سهلة".

غير أن رد فعل شريكها كان مختلفًا، إذ أكد أن شخصيتها وقيمها كانتا أكثر أهمية بالنسبة إليه من الطريقة التي فقدت بها وزنها.

رحلة علاج تتجاوز الميزان

يرى الخبراء أن نجاح أدوية GLP-1 لا يقاس فقط بعدد الكيلوجرامات التي يخسرها المريض، بل بقدرته على التكيف مع التغيرات النفسية والاجتماعية التي تصاحب هذه الرحلة.

ومع استمرار انتشار هذه علاجات إنقاص الوزن حول العالم، تتزايد الحاجة إلى دراسات أعمق لفهم تأثيرها في العلاقات الإنسانية، وإلى تقديم دعم نفسي يواكب التغيرات التي قد تطرأ على حياة مستخدميها، لأن خسارة الوزن قد تكون بداية لتغيير أكبر من مجرد مظهر خارجي.

تم نسخ الرابط