الناقد المسرحي: غضب الجمهور صنع أشهر أزمات المسرح المصري|فيديو
أكد الناقد المسرحي محيي إبراهيم، أن أكثر العروض المسرحية إثارةً للجدل في تاريخ المسرح المصري لم تكن تلك التي تعرضت للمنع من قبل الرقابة، وإنما الأعمال التي حظيت بتصاريح العرض الرسمية، لكنها أثارت ردود فعل جماهيرية غاضبة نتيجة اختلاف تفسير رسائلها ومضامينها الفنية، وأن تاريخ المسرح المصري شهد العديد من الأعمال التي تحولت إلى محور للنقاش المجتمعي، ليس بسبب مخالفتها للقوانين أو اعتراض الجهات الرقابية عليها، وإنما بسبب الطريقة التي تلقى بها الجمهور بعض المشاهد، والتي أدت في أحيان كثيرة إلى أزمات واسعة النطاق.
العروض المثيرة للجدل
وأشار الناقد المسرحي، خلال لقائه ببرنامج "صباحك مصري"، المذاع عبر قناة أم بي سي مصر 2، إلى أن جميع العروض التي أحدثت ضجة كبيرة في الشارع المصري كانت قد اجتازت الإجراءات الرقابية وحصلت على الموافقات اللازمة قبل عرضها، إلا أن بعض الرسائل الفنية لم تُفهم بالشكل الذي أراده صناع العمل، وهو ما أدى إلى حالة من الغضب وسوء الفهم بين قطاعات من الجمهور، وأن المسرح، بطبيعته، يعتمد على الرمزية والتعبير الفني، وهو ما قد يفتح الباب أمام تفسيرات مختلفة للمشهد الواحد، مؤكدًا أن هذا الاختلاف في القراءة قد يتحول أحيانًا إلى أزمة حقيقية عندما يبتعد المتلقي عن السياق الدرامي الكامل للعمل.
وأوضح الناقد المسرحي، أن أوبريت "العشرة الطيبة"، الذي قدمه الفنان الكبير نجيب الريحاني عام 1920، يعد من أبرز الأمثلة على الأعمال التي أثارت جدلًا واسعًا في تاريخ المسرح المصري، رغم قيمته الفنية الكبيرة ومكانته في تاريخ الحركة المسرحية، وأن أحد مشاهد الأوبريت أظهر الوالي وهو يسير فوق ظهور عدد من الفلاحين المصريين، وهو مشهد حمل دلالة رمزية تتعلق بالظلم والاستبداد، إلا أن كثيرًا من المشاهدين آنذاك اعتبروه إهانة مباشرة للمصريين، ما أدى إلى موجة غضب واسعة داخل الشارع.
اتهامات للريحاني بالانحياز
وأضاف الناقد المسرحي، أن ردود الفعل لم تتوقف عند حدود الانتقاد، بل تطورت إلى اتهامات مباشرة للفنان نجيب الريحاني بالانحياز إلى الاحتلال الإنجليزي، نتيجة سوء تفسير الرسالة التي حملها العرض المسرحي، وأن الغضب الشعبي بلغ مستوى غير مسبوق، ووصل الأمر إلى التهديد بالاعتداء على الريحاني، وهو ما اضطره إلى مغادرة القاهرة والاختباء لفترة حفاظًا على سلامته، قبل أن يتخذ قرارًا بالسفر إلى بلاد الشام حتى تهدأ الأوضاع.
وأشار الناقد المسرحي، إلى أن الأزمة بدأت في الانحسار بعد عودة الزعيم سعد زغلول من المنفى عام 1921، حيث تغيرت الأجواء السياسية والشعبية، وهو ما ساعد على تهدئة حالة الاحتقان التي صاحبت عرض الأوبريت، وأن نجيب الريحاني عاد بعد ذلك إلى مصر واستأنف نشاطه الفني بصورة طبيعية، ليواصل تقديم أعمال أصبحت فيما بعد من كلاسيكيات المسرح المصري، ويثبت مكانته كأحد أبرز رواد الفن المسرحي في الوطن العربي.
المسرح مرآة للمجتمع
وأوضح الناقد المسرحي، أن المسرح كان ولا يزال مرآة تعكس قضايا المجتمع وهمومه، ولذلك فإن بعض الأعمال قد تثير نقاشات واسعة أو خلافات فكرية، خاصة عندما تتناول موضوعات سياسية أو اجتماعية حساسة، وأن تاريخ المسرح المصري يؤكد أن الجدل الجماهيري ليس دائمًا دليلًا على ضعف العمل، بل قد يكون مؤشرًا على قوة تأثيره وقدرته على إثارة التفكير والحوار، وهو ما جعل العديد من العروض المثيرة للجدل تحظى لاحقًا بتقدير نقدي وجماهيري كبير.

واختتم الناقد محيي إبراهيم، بالتأكيد على أن فهم العمل المسرحي في سياقه الكامل يعد عنصرًا أساسيًا للحكم عليه، مشددًا على أن كثيرًا من الأزمات التي شهدها المسرح المصري عبر تاريخه جاءت نتيجة سوء تفسير بعض المشاهد أو إخراجها من إطارها الدرامي، وأن التجربة المسرحية المصرية تزخر بأعمال خالدة أثبتت مع مرور الزمن قيمتها الفنية والثقافية، رغم ما واجهته في بداياتها من اعتراضات أو انتقادات، لتظل شاهدًا على الدور الكبير الذي يلعبه المسرح في تشكيل الوعي وإثارة النقاش حول القضايا الوطنية والاجتماعية.


