من الفضاء إلى المختبر.. رحلة قنديل بحر تكشف أسرار التئام الجروح"
قد يبدو التئام الجروح أمرًا طبيعيًا، لكن ما يحدث داخل أجسامنا بعد الإصابة لا يزال يحمل الكثير من الأسرار، وبينما يحتاج الإنسان إلى أيام أو أسابيع لشفاء جرح بسيط، نجح قنديل بحر شفاف في لفت أنظار العلماء بقدرته المذهلة على إصلاح أنسجته خلال دقائق فقط، من دون أن يترك أي ندبة، وهو اكتشاف قد يفتح آفاقًا جديدة لفهم آليات تجدد الخلايا لدى الكائنات الحية.
فقد جذب قنديل البحر الشفاف "كليتيا هيميسفيريكا" اهتمام العلماء بسبب قدرته على التئام الإصابات الصغيرة خلال دقائق، وإغلاق الجروح الأكبر خلال أقل من ساعة، من دون تكوين ندبات، وهو ما فتح بابًا جديدًا لفهم آليات الشفاء في الكائنات الحية.
قصة اهتمام العلماء بقناديل البحر
بدأ الاهتمام العلمي بقناديل البحر في تسعينيات القرن الماضي، عندما أرسلت وكالة ناسا أكثر من ألفي قنديل بحر صغير إلى الفضاء على متن مكوك كولومبيا عام 1991، بهدف دراسة تأثير انعدام الجاذبية على تطور أعضاء استشعار الجاذبية لديها.
وبعد عقود، أصبحت هذه الكائنات البحرية محورًا لأبحاث جديدة تبحث في قدرتها الفريدة على تجديد الخلايا وإصلاح الأنسجة، بما في ذلك دراسة ما يعرف بـ"قنديل البحر الخالد" لفهم كيفية عودة بعض الخلايا إلى مراحل مبكرة من دورة حياتها.
لكن العلماء يؤكدون أن أهمية هذه الأبحاث لا تكمن في توقع علاج طبي جاهز قريبًا، بل في كشف القواعد الأساسية التي تستخدمها الكائنات الحية لإصلاح أجسامها.
شفاء سريع بلا ندوب
يوضح هيريس باتيل، الأستاذ المساعد في قسم علم الحيوان بجامعة هيمشاندراشاريا شمال غوجارات، أن ما يميز قنديل البحر "كليتيا هيميسفيريكا" ليس فقط سرعة التعافي، وإنما الطريقة التي تتم بها عملية الشفاء.
فعندما يتعرض القنديل للإصابة، تبدأ الخلايا الموجودة على حواف الجرح في إرسال امتدادات دقيقة تشبه الأصابع، تتحرك عبر منطقة الإصابة وتسحب الأنسجة خلفها، ما يؤدي إلى تقريب أطراف الجرح.
بعد ذلك تبدأ مرحلة ثانية، حيث تعمل حلقة من الألياف القابلة للانقباض على شد الأنسجة وإغلاق الجرح بإحكام، ويصف العلماء هذه العملية بأنها آلية من خطوتين: زحف الخلايا أولًا، ثم انكماش الأنسجة لإتمام الإغلاق.
لماذا يترك الإنسان ندوبًا بينما لا يفعل قنديل البحر؟
يختلف رد فعل جسم الإنسان تجاه الإصابات بشكل كبير عن قنديل البحر، فعندما يتعرض الإنسان لجرح، تكون الأولوية البيولوجية هي وقف النزيف ومنع العدوى، مما يؤدي إلى استجابة التهابية قوية وتكوين ألياف كولاجين كثيفة تشكل الندبة.
أما قنديل البحر، فيتجاوز هذه المرحلة تمامًا، مما يسمح للأنسجة بإعادة تنظيم نفسها وإصلاح الضرر دون ترك علامات واضحة.
ويشير باتيل إلى أن أقرب مثال بشري لهذه القدرة يظهر خلال المراحل المبكرة من نمو الجنين، حيث تلتئم الجروح أحيانًا دون ندبات بسبب انخفاض الالتهاب وقدرة الأنسجة على إعادة بناء نفسها بدلًا من تكوين نسيج بديل.
شفافية القنديل تمنحه ميزة لا توفرها الفئران والبشر
يمثل "كليتيا هيميسفيريكا" نموذجًا بحثيًا فريدًا بسبب شفافيته الكاملة، إذ يستطيع العلماء مراقبة حركة الخلايا أثناء عملية الشفاء مباشرة تحت المجهر، وهو أمر يصعب تحقيقه عند دراسة الإنسان أو الحيوانات الأخرى.
كما أن موقعه القديم على شجرة التطور يمنحه أهمية خاصة؛ فالعثور على آليات إصلاح مشتركة بين قناديل البحر والكائنات الأكثر تعقيدًا يشير إلى أن هذه الأدوات البيولوجية قديمة جدًا، وربما تعود إلى بدايات تطور الحياة الحيوانية.