«الأرض المحروقة» وسيناريو حرب المفاعلات النووية بين إسرائيل وإيران
انتشرت الأحاديث حول احتمالية لجوء إيران إلى تفجير مفاعل بوشهر النووي باتباع سياسة «الأرض المحروقة»، وذلك بعد تهديدات منسوبة لدوائر إيرانية باستهداف مفاعل ديمونا النووي في إسرائيل في حال اندلاع مواجهة شاملة.
وبين هذين الاحتمالين، يتشكل سيناريو مرعب مفاده أن أي استهداف لمفاعل نووي في المنطقة قد يطلق كارثة إشعاعية عابرة للحدود، قد تطال دولًا عدة في الشرق الأوسط خلال ساعات.
وبينما تتوالى الأحاديث، فإن سيناريوهات كارثية قد تحدث بالفعل في حال تحولت المنشآت النووية في الشرق الأوسط إلى أدوات دمار إقليمي.
«الأرض المحروقة» وسيناريو حرب المفاعلات النووية
لا تنبع هذه المخاوف من التهديدات السياسية فقط، بل من طبيعة المفاعلات النووية نفسها، إذ إن أي تدمير مباشر لمفاعل يعمل بالطاقة النووية قد يؤدي إلى إطلاق كميات ضخمة من المواد المشعة في البيئة، وهو ما قد يحول مناطق واسعة إلى مناطق ملوثة لعقود طويلة، كما حدث في كارثتي تشيرنوبل عام 1986 وفوكوشيما عام 2011.
يُعد مفاعل بوشهر النووي الواقع على الساحل الجنوبي لإيران على الخليج العربي أول محطة طاقة نووية عاملة في البلاد. بدأ بناؤه في سبعينيات القرن الماضي بمساعدة ألمانية، لكنه توقف بعد الثورة الإيرانية عام 1979، قبل أن تستأنف إيران المشروع لاحقًا بمساعدة روسية حتى دخل الخدمة رسميًا عام 2011 بقدرة تقارب ألف ميغاواط.
تكمن خطورة هذا المفاعل في موقعه الجغرافي الحساس. فهو لا يبعد سوى مئات الكيلومترات عن سواحل دول الخليج، بل إن بعض العواصم الخليجية أقرب إلى بوشهر من العاصمة الإيرانية طهران نفسها.
وبحسب تقديرات خبراء نوويين، فإن أي ضربة مباشرة للمفاعل أو تعطل لأنظمة التبريد فيه قد يؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من المواد المشعة في البيئة، وهو ما قد يخلق كارثة إشعاعية واسعة النطاق.
«الأرض المحروقة» وسيناريو حرب المفاعلات النووية">على رأسهم إيران.. الدول المتضررة من انفجار بوشهر
الخطر الأكبر في سيناريو انفجار بوشهر لا يتعلق بإيران وحدها، بل بالمنطقة بأكملها، بسبب طبيعة الخليج العربي المغلق نسبيًا واعتماد دوله على المياه المحلاة.
وهناك بالفعل عدد كبير من الدول المعرضة للضرر، وعلى رأسها إيران نفسها، إذ ستكون المدن الإيرانية القريبة مثل بوشهر وأهواز وشيراز أول المتضررين، وقد تضطر السلطات إلى إخلاء مناطق واسعة من السكان.
تُعد الكويت من أقرب الدول إلى موقع المفاعل، إذ لا تبعد سوى نحو 200–300 كيلومتر عنه، ما يجعلها ضمن أول المناطق التي قد تتأثر بالسحب الإشعاعية في حال تسربها.
ستضرر دولتي قطر والبحرين أيضًا، وتعتمد هاتان الدولتان بالكامل تقريبًا على مياه البحر المحلاة للشرب. وتشير دراسات إلى أن تلوث مياه الخليج بالمواد المشعة قد يؤدي إلى أزمة مياه حادة خلال أيام.
كما سوف تتضرر دولة الإمارات والتي يعتمد أكثر من 80٪ من مياه الشرب في الإمارات على التحلية، ما يجعل أي تلوث للمياه البحرية خطرًا استراتيجيًا مباشرًا. وبالطبع سوف تتضرر المملكة العربية السعودية.
وفي هذا السيناريو، لا يقتصر الخطر على الإشعاع في الهواء فقط، بل يمتد إلى تلويث مياه الخليج، وهو ما قد يؤثر على محطات التحلية، والثروة السمكية، وحركة الملاحة البحرية، والاقتصاد النفطي في المنطقة.
ما هي سياسة الأرض المحروقة؟
الأرض المحروقة، هي استراتيجية عسكرية تقوم على تدمير البنية التحتية والموارد الحيوية لمنع الخصم من الاستفادة منها حتى لو أدى ذلك إلى خسائر كبيرة للطرف الذي ينفذها.
تاريخيًا استخدمت هذه السياسة في عدة حروب، أبرزها، انسحاب الجيش الروسي أمام نابليون عام 1812، والحرب العالمية الثانية، وبعض النزاعات الحديثة التي شهدت تدمير منشآت استراتيجية لمنع سقوطها بيد العدو.
وفي السياق الإيراني، يرى بعض المحللين أن هذا السيناريو قد يظهر فقط في حالة تهديد وجودي للنظام الإيراني، مثل انهيار الدولة، أو وقوع غزو عسكري واسع، أو سيطرة خصوم على منشآت استراتيجية.
وفي مثل هذه الظروف القصوى قد يسعى النظام إلى رفع كلفة الحرب على خصومه إلى الحد الأقصى حتى لو أدى ذلك إلى أضرار داخلية.
«الأرض المحروقة» وسيناريو حرب المفاعلات النووية">لماذا قد تلجأ إيران إلى هذا السيناريو؟
رغم أن تفجير مفاعل بوشهر سيؤدي إلى كارثة داخل إيران نفسها، فإن بعض السيناريوهات النظرية تفسر لماذا قد تفكر دولة في خطوة كهذه، وبشكل رئيسي يعتقد المراقبون أن إيران قد تلجأ إلى هذا السيناريو في سياق الردع، لإجبار القوى الكبرى على وقف الحرب.
كما أنه يمكن أن تلجأ إيران لهذا الحل في إطار نقل المعركة إلى مستوى إقليمي، كون تدمير المفاعل قد يخلق أزمة بيئية واقتصادية لدول الخليج التي تعد حلفاء للغرب. هذا بالإضافة على حرمان الخصوم من السيطرة على المنشآت النووية.
لكن معظم الخبراء يرون أن هذه الفرضيات نظرية للغاية لأن الضرر الذي سيلحق بإيران سيكون هائلًا.
مفاعل ديمونا الإسرائيلي القلب الغامض للبرنامج النووي
يقع مفاعل ديمونا في صحراء النقب جنوب إسرائيل، وقد بُني في أواخر خمسينيات القرن الماضي بمساعدة فرنسية. ويُعتقد على نطاق واسع أنه يمثل حجر الأساس للبرنامج النووي الإسرائيلي الذي تتبنى إسرائيل تجاهه سياسة «الغموض النووي»، فلا تؤكد ولا تنفي امتلاكها أسلحة نووية.
تشير تقديرات دولية إلى أن هذا المفاعل استخدم لعقود لإنتاج البلوتونيوم المستخدم في تصنيع الرؤوس النووية. وفي حال تعرض المفاعل لضربة عسكرية مباشرة، يمكن تصور عدة سيناريوهات، منها التدمير الجزئي للمفاعل، مما قد يؤدي إلى تسرب محدود للمواد المشعة داخل المنطقة المحيطة.
أما السيناريو الثاني، وهو انهيار نظام التبريد، وهو يشبه ما حدث في كارثة فوكوشيما، حيث يؤدي ارتفاع حرارة الوقود النووي إلى انصهار المفاعل. وفي السيناريو الأخطر قد يتم تدمير كامل للمنشأة مما قد يؤدي إلى انتشار مواد مشعة في الجو لمسافات طويلة.
وبسبب موقعه الجغرافي، قد يمتد التلوث الإشعاعي إلى جنوب إسرائيل، والأراضي الفلسطينية، والأردن، وشبه جزيرة سيناء في مصر، وأجزاء من السعودية.
ولكن رغم كل المخاوف، يرى معظم الخبراء أن استهداف مفاعل نووي في الشرق الأوسط يظل احتمالًا ضعيفًا.




