«حبة اليقظة» عقار الطيارين الإسرائيلين خلال الحروب لتجنب النوم والإرهاق
كشف تقرير لصحيفة يديعوت آحرونوت، عن عقار الطيارين الإسرائيليين لتنفيذ المهام بعيدة المدى في خضم الحرب ضد إيران.
وبحسب التقرير، فإن هذه الحرب تعيد إلى الأذهان تحدي أسلحة الجو في كيفية الحفاظ على اليقظة، واتخاذ القرارات الصائبة، وسرعة رد الفعل بعد ساعات طويلة من دون نوم.
وأشارت الصحيفة، إلى أنه في السنوات الأخيرة، اتجهت القوات الجوية الغربية بشكل متزايد إلى استخدام مودافينيل، وهو دواء يُعزز اليقظة، كأداة لمساعدة الطيارين على البقاء متيقظين خلال الظروف العملياتية القاسية.
عقار الطيارين الإسرائيلين خلال الحروب لتجنب النوم والإرهاق
تحدثت الدكتورة أوسنات رازيل، جراحة ومديرة المركز متعدد التخصصات في مركز آسيا الطبي في تل أبيب، عن الخطر الصامت الذي يواجه الطيارين العسكريين وهو الأرهاق، خاصة وأنها عملت سابقًا طبيبةً في مدرسة الطيران التابعة للقوات الجوية الإسرائيلية، وقامت بتدريس طب الطيران، وقالت رازيل: "يُعد الإرهاق أحد أهم العوامل المؤثرة على الأداء الإدراكي".
عقار الطيارين الإسرائيلين خلال الحروب لتجنب النوم والإرهاق">وأوضحت رازيل - التي عملت أيضًا كطبيبة طيران خلال مهام الإنقاذ مع الوحدة 669 التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، وهي حاصلة على رخصة طيار مدني - قائلة: “بعد حوالي 18 إلى 24 ساعة من الحرمان من النوم، يحدث انخفاض ملحوظ في التركيز، وسرعة رد الفعل، والذاكرة العاملة، والقدرة على اتخاذ القرارات، وتشير الأبحاث في علم وظائف الأعضاء المتعلقة بالنوم إلى أن هذه التأثيرات قد تُشابه تأثيرات تناول الكحول بمستويات معتدلة في الدم”.
وصرح الدكتور أوري إلكان، أخصائي الأنف والأذن والحنجرة وطبيب النوم في مستشفى بيلينسون، إن الإرهاق في مجال الطيران يتجاوز مجرد النعاس.
وأضاف: “يميل الطيار المُرهق إلى التركيز على جهاز واحد أو هدف واحد، وقد يُهمل مسح البيئة المحيطة أو مراقبة الأنظمة الأخرى. كما يؤثر الإرهاق على تقييم المخاطر. فالحرمان من النوم يُضعف قشرة الفص الجبهي، مما قد يؤدي إلى التقليل من شأن الخطر والمجازفة بشكل أكبر”.
وحذر أيضًا من ظاهرة خطيرة تُعرف باسم "النوم الجزئي"، وهي عبارة عن فترات وجيزة من فقدان الوعي اللاإرادي لا تدوم سوى ثوانٍ معدودة، قائلًا: "في المراحل الحرجة من الطيران، قد تكون بضع ثوانٍ كارثية".
عقار الطيارين.. من "حبوب التنشيط" إلى مودافينيل
وبحسب الصحيفة، لجأت بعض القوات الجوية إلى استخدام أدوية منشطة من عائلة الأمفيتامين، والمعروفة باسم "حبوب التنشيط"، لمعالجة الإرهاق. وقالت رازيل: "كانت هذه الأدوية شائعة الاستخدام في الماضي، ولكن في العقود الأخيرة، تحولت العديد من القوات الجوية الغربية إلى استخدام مودافينيل".
طُور مودافينيل في الأصل لعلاج اضطرابات النوم التي تتميز بالنعاس المفرط أثناء النهار، بما في ذلك الناركوليبسيا، واضطراب النوم الناتج عن العمل بنظام المناوبات، والنعاس المصاحب لانقطاع النفس النومي. ويعزز هذا الدواء اليقظة ويحسن التركيز والأداء خلال النهار.
من الناحية الكيميائية العصبية، يؤثر مودافينيل على عدة أنظمة في الدماغ، بما في ذلك الدوبامين والنورأدرينالين والهيستامين، وكلها تلعب أدوارًا رئيسية في اليقظة والانتباه. وقالت رازيل: "على عكس المنشطات التقليدية كالأمفيتامينات، يتمتع مودافينيل عمومًا بملف أمان أفضل، ويسبب عددًا أقل من حالات الإرهاق الشديد بعد زوال مفعوله".
وبحسب الدكتور إلكان هذا الدواء يعمل بطريقة معاكسة تمامًا لحبوب النوم: "يساعد على التركيز لفترات أطول، لكن له آثارًا جانبية، فقد يسبب ارتفاعًا في ضغط الدم وتسارعًا في ضربات القلب، على غرار الجرعات العالية من الكافيين".
عقار الطيارين الإسرائيلين خلال الحروب لتجنب النوم والإرهاق">مودافينيل يُساعد في الحفاظ على الأداء الإدراكي
أظهرت دراسات أُجريت لصالح القوات الجوية الأمريكية أن مودافينيل يُساعد في الحفاظ على الأداء الإدراكي حتى بعد أكثر من 24 ساعة من الحرمان من النوم. وقالت رازيل: "في دراسات محاكاة الطيارين المقاتلين، تم الحفاظ على قدرات مثل اتخاذ القرارات، وسرعة رد الفعل، والدقة في المهام المعقدة بشكل أفضل بكثير مع مودافينيل مقارنةً بالدواء الوهمي".
وثق تقرير قدمه العام الماضي مركز أبحاث الكونجرس الأمريكي أن الجيش الأمريكي يستخدم استراتيجية ذات شقين لمعالجة إرهاق الطيارين: تدابير سلوكية ومساعدة دوائية محدودة. وتسمح سياسة القوات الجوية الأمريكية باستخدام مودافينيل كمنشط غير أمفيتاميني، إلى جانب ديكستروأمفيتامين، الذي تصنفه إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ضمن المواد ذات احتمالية إساءة الاستخدام العالية.
تقصر جميع فروع الجيش الأمريكي استخدام هذه الأدوية على ظروف عملياتية محددة. استخدامها طوعي ويتطلب تصريحًا من أطباء الطيران، بالإضافة إلى موافقة القيادة العسكرية. وعلى الرغم من فوائده، يؤكد الأطباء أن مودافينيل ليس بديلاً عن الراحة.
أشار إلكان أيضًا إلى أن طبيعة جسم الإنسان نفسها تُسبب انخفاضات متوقعة في مستوى اليقظة. وتستمر هذه الساعة البيولوجية الداخلية في التأثير على الأداء بغض النظر عن مقدار النوم الذي حصل عليه الشخص.
وبالنظر إلى المستقبل، يدرس الباحثون أيضًا أدوية جديدة مصممة لمكافحة الإرهاق، ومن الأمثلة على ذلك دواء سولريامفيتول، الذي يُسوق باسم سونوسي، والذي وافقت عليه إدارة الغذاء والدواء الأمريكية عام 2019، ويعمل عن طريق تثبيط إعادة امتصاص الدوبامين والنورأدرينالين.
ويعمل دواء آخر، وهو بيتوليسانت (واكيكس)، بطريقة مختلفة عن طريق زيادة مستويات الهيستامين في الدماغ، وهو ناقل عصبي مرتبط باليقظة الطبيعية. ومع ذلك، فإن هذه الأدوية أحدث وأكثر تكلفة وأقل دراسة في بيئات العمل.
ويقول الخبراء حاليًا إن إدارة إرهاق الطيارين تعتمد على مجموعة من الأدوات: التخطيط الدقيق، وأنظمة المراقبة التي ترصد الإرهاق لحظيًا، وأخذ قيلولة استراتيجية، وفي الحالات القصوى، أدوية مثل مودافينيل.
وتضيف رازيل: "في المستقبل القريب، قد تتمكن الأنظمة البيومترية في الطائرات من رصد انخفاض مستوى يقظة الطيارين لحظيًا، وتقديم توصيات مُخصصة". ومن شأن هذه التطورات أن تجعل طب الطيران عنصرًا أساسيًا في القوة الجوية الحديثة، مما يضمن قدرة الطيارين على العمل بأمان حتى خلال أطول المهمات وأكثرها تطلبًا.


