خبير: الشرق الأوسط يعيش «ضبابية حرب» وصراع تحكمه المصالح الاقتصادية
أكد العميد الدكتور طارق العكاري، المتخصص في الشأن الاستراتيجي والاقتصاد العسكري، أن المشهد الراهن للصراع في منطقة الشرق الأوسط يمر بمرحلة معقدة تُعرف عسكريًا بـ«ضبابية الحرب»، مشيرًا إلى أن التحركات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران لا تحكمها اعتبارات إنسانية، بل تقودها أهداف اقتصادية واضحة تتعلق بالسيطرة على مصادر الطاقة والممرات الحيوية.
وأوضح العكاري، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج "الساعة 6" مع الإعلامية عزة مصطفى، أن قراءة المشهد الميداني تكشف عن توازن دقيق ومعقد؛ حيث تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكنها في الوقت ذاته ليست في وضع محصن بالكامل، وهو ما يظهر من خلال الخسائر الميدانية، وإسقاط بعض الطائرات، وتضرر بعض الحلفاء، ومن بينهم إسرائيل.
توازن هش بين السيطرة والاختراق
أشار الخبير الاستراتيجي إلى أن إيران من جانبها قادرة على تنفيذ اختراقات نوعية وتوجيه ضربات مؤثرة، إلا أنها لا تمتلك القدرة على تغيير موازين القوى بشكل جذري، في ظل التفوق الجوي الأمريكي الكبير الذي يصعب معادلته بإمكانات محدودة.
وأكد أن هذا الوضع يعكس حالة من التوازن الهش، حيث لا يستطيع أي طرف حسم المعركة بشكل كامل، ما يفتح الباب أمام استمرار التصعيد دون الوصول إلى مواجهة شاملة تنهي الصراع بشكل نهائي.
سيناريوهات «هوليوودية» واتفاقات غير معلنة
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المتوقعة، أوضح العكاري أن هناك عدة احتمالات مطروحة، تبدأ من منح فرص إضافية للتهدئة، وصولًا إلى وجود تفاهمات غير معلنة بين الأطراف.
ووصف بعض العمليات العسكرية بأنها تحمل طابعًا «هوليووديًا»، ملمحًا إلى إمكانية وجود اتفاقات ضمنية تتيح لكل طرف الخروج بمظهر المنتصر، دون التعرض لهزيمة حاسمة. كما أشار إلى احتمال وجود صفقات خفية ذات طابع اقتصادي، مثل فرض رسوم جديدة على حركة السفن في مضيق هرمز، وتقاسم عائداتها بين الأطراف المعنية.
حرب معلومات وإدارة الإدراك
وحذر العكاري من الانسياق وراء الروايات الإعلامية المتداولة، مؤكدًا أن العالم يعيش حالة متقدمة من «إدارة الإدراك» (Perception Management)، حيث يتم توجيه المعلومات بما يخدم أهدافًا سياسية وعسكرية.
وأوضح أنه لا توجد شفافية حقيقية بشأن حجم الخسائر أو القدرات العسكرية لدى الأطراف المختلفة، سواء فيما يتعلق بحجم الدمار داخل إسرائيل، أو قدرات الترسانة الصاروخية الإيرانية، أو حتى التكلفة الفعلية للعمليات العسكرية الأمريكية.
تصعيد مفتوح على كل الاحتمالات
وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن مسارات التصعيد لا تزال مفتوحة على عدة سيناريوهات، تبدأ باستخدام أسلحة تقليدية شديدة التدمير، وقد تصل – في أسوأ الحالات – إلى استخدام أسلحة غير تقليدية، مثل السلاح النووي.
كما لم يستبعد إمكانية استهداف منشآت حيوية في المنطقة، مثل محطات تحلية المياه في دول الخليج أو مفاعل ديمونة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن القرارات النهائية تظل بيد صناع القرار الذين يمتلكون المعلومات الكاملة عن الوضع الميداني.
الاقتصاد.. المحرك الخفي للحروب
وفي ختام تصريحاته، شدد العكاري على أن الدافع الاقتصادي يظل العامل الحاسم وراء اندلاع الحروب، مستشهدًا بالنموذج العراقي، وكيف تم استغلال موارده النفطية لسنوات طويلة.
وأكد أن الولايات المتحدة تتعامل بمنطق «البراغماتية» والقوة، مشيرًا إلى أن التكاليف العسكرية الضخمة التي تتحملها حاليًا، سواء في نشر حاملات الطائرات أو الإنفاق العسكري الهائل، سيتم تعويضها لاحقًا عبر تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة.
وأوضح أن هذه المكاسب قد تأتي من خلال السيطرة على مصادر الطاقة، أو فرض رسوم على الممرات الملاحية، أو حتى من خلال ما يُعرف بـ«فواتير الحماية» التي تُفرض على دول المنطقة، ما يعكس طبيعة الصراع القائم باعتباره صراعًا اقتصاديًا في المقام الأول، تديره القوى الكبرى لتحقيق مصالحها الاستراتيجية.